المحتوى الرئيسى

خليل أبو شادي: رأيت مدينة الثورة

02/09 19:26

شعرت أن الفرصة لم تذهب بعد؛ عندما سمعت اليوم الأربعاء 9 فبراير أخباراً غير مؤكدة عن تجمع آلاف من البلطجية لإعادة الهجوم على المعتصمين بمدينة الثورة التي هي في طريقها إلى تجاوز ميدان التحرير إلى مصر كلها ، بعد انتشار الإضرابات والاعتصامات، وسعي الشعب إلى خلع كل الرؤساء الفاسدين في الهيئات والشركات والصحف والنقابات، واتضح لي بعد مناقشة العديدين أنني لست وحدي الذي يشعر بالندم لعدم وجودي في الميدان ليلة الأربعاء الدامي 2 فبراير، لكنني مثل الكثيرين الذين يمنون أنفسهم، بأن يكونوا شهداء قديسين أو على الأقل جرحى بمرتبة أبطال، وجدت نفسي مثل البعض، يتحول داخلي الخوف من آلاف البلطجية المسلحين الذين هاجموا الشباب الأعزل، إلى تمني لقاء الموت في ساحة الثورة، لكن فيالق من بلطجية منشية ناصر أجهضوا حلم الشهادة داخلي  بإعلانهم الانضمام إلى الثورة ..  تفجر النبل في أفئدة البلطجية بفعل الثورة .. لكن حلمي عاد إلى الازدهار بإعلان عمر سليمان نائب مبارك أنه “إما الحوار أو الانقلاب”، وزاد سخطي  استشهاد ثلاثة متظاهرين وسقوط 100 جريح بالوادي الجديد على يد الشرطة، وهو ما بدد آمال البعض بأن”الشرطة اتربت وهاتحترم الشعب المصري”.عندما ذهبت إلى أرض المعركة في اليوم التالي لهجوم ليلة الأربعاء، في محاولة لتدارك تخلفي عن معركة الليل، ثم تخلفي عن معركة الفجر بسبب منعي من قبل الجيش والبلطجية الذين ملأوا وسط القاهرة، جربت أن أقذف بحجر، وأنا وسط الثوار، فلم يصل حجري إلى حدود البلطجية، فأخذت أسجل ما أراه من دماء تتفجر من رؤوس الشباب الباسل، يتلقى الواحد فيهم الحجر في رأسه، فيأخذ جانباً، ويضمد جراحه بنفسه حتى يتوقف تفجر الدم، ثم يعود إلى المعركة، لا توقفه سوى طلقة رصاص تستقر في جسده، وأنا أتبع الدم وأكتب، لكن كل ما رأيته، ليس شيئاً بجانب البطولات التي رواها من حضروا معركة الليل، وكان نصيبي في معارك النهار ضربة حجر لا تذكر في قدمي، فماذا أفعل، هل أندفع بلا سبب أو فائدة إلى التهلكة؟لدي فائض من الشعور بالحماسة والشوق إلى المشاركة في الثورة، جربت أن أكتب فوجدت الكتابة تشغلني عن المشاركة، جربت أن أحضر اللقاءات السياسية، فتهت في ساعات من المناقشات الطويلة كنت قد هربت منها منذ سنوات طويلة، درت في الميدان أناقش وأحاور، فاكتشفت أنني محاور سييء أنفعل وأثور بسهولة.سمعت شاباً وأنا أتجول في الميدان يقول:”دي أول مرة أحس إن دي بلدي”، ولم يكن هذا الشاب نشازا عما أصبح معتاداً في ميدان المدينة، المكتظ بالمصريين الذين يعانون مثلي من فائض كبير في الشعور بالكرامة والحب والرقي والجمال، شاب قال لصديقه في أول خطوة له في الميدان:”ياه ده الموضوع بجد، ده جو وشعور غير اللي كنت متصوره خالص”، خيام المعتصمين المقيمين بأسرهم وعائلاتهم، وخلية نحل تعمل ليل نهار، فتيات وفتيان كالورد يجمعون القمامة من مدينتهم الجديدة، وطنهم الجديد، مصرهم الجديدة، ومئات من الشباب الأعزل يركضون بلهفة إلى أي مدخل من مداخل المدينة”شارع طلعت حرب مثلاً أو مدخل عبد المنعم رياض” إذا دقت طبول الحرب، لملاقاة البلطجية المسلحين. وطبول الحرب هذه، يتولاها شباب لجنة التنظيم والأمن، الموزعين بالآلاف على المداخل يتبادلون المهام والنوم والاستراحة، لكل واحد وظيفة، فمنهم العسس المنتشرون خارج حدود المدينة، يتلمسون الأخبار، ثم جنود الحدود الأمامية الحارسين للحواجز الحديدية التي تكون الأولى في مواجهة أي هجوم، ثم الحواجز الخلفية المتاخمة لحدود الميدان من الداخل..ياه إنه حقاً وطن له حدود ويدخل في معارك نؤمن بها جميعاً.في مدينتنا الوطن، ليس مهماً أن تكون مسيحياً أم مسلماً، أو أبيض أم أسود، أو شاباً أم فتاة كما كان قبل الثورة، وليس مهماً ما هو رأيك طالما أنك ضد الديكتاتور، أنارت الثورة طريق الشعب، فاستطاع التمييز بين الفنان والحلنجي، وبين المثقف والدجال، وبين الإنسان الحقيقي وشبيه الإنسان.في مدينة الثورة مئات الأطباء يعالجون الجرحى دون مقابل سوى الحب والإيمان بعدالة القضية، والناس يقتسمون ما لديهم من طعام لأنهم آمنوا بالوطن، ليكونوا رحماء فيما بينهم أشداء على الكافرين بالوطن. وفي مدينة الثورة تتغير الوجوه فتنير في الليل، ويتحول الجبناء إلى فرسان شجعان، والسماء يتغير لونها ويغطيها السحر، وتهب رياح الشتاء لكننا نشعر بدفء الثورة المشتعلة في قلوبنا.في مدينة الثورة حب ينمو كل يوم، وفداء نستعد له جميعاً، ووطن يسكن قلوبنا وتنتشر عدواه إلى كل الباحثين عن وطن، وأناس يقدمون حياتهم، وآخرون يقاتلون ويخرجون جرحى، ومغنون للثورة، وشعراء، وخطباء، ومجموعات تغني وتهتف وتعقد حلقات نقاش، وأنا لا أعرف سوى أن أجلس في جانب لأسجل ما أراه، وفائض الحب والرقي يؤنبني، فماذا أفعل؟مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل