المحتوى الرئيسى

في الثقافة الوطنية والعالمية بقلم:رشيد قويدر

02/09 19:23

رشيد قويدر ليست الثقافة الوطنية تضاداً للثقافة الإنسانية أو للفكر العالمي، كما بالتأكيد ليست لذاتها كما درج شعار "الإبداع من أجل الإبداع" منقطعاً لذاته؛ ولا قضية له سوى نخبة لا غيرها، ينقطع لها في مشاعره ومخيلاته وتطلعاته، بدلاً من أن يتجه للتعبير عن هموم وآلام الناس وتطلعاتهم، بل وحتى النخبة ذاتها لها تعددها وأطيافها واختلافاتها.. يبرز هنا مفهوم الثقافة الوطنية بوصفها التزام؛ بديلاً عن الثقافة الاستعمارية، وكمفهوم يعبر عن واقع مادي معاين في مواجهة طغيان واقع استعماري مادي آخر معاين وملموس، وانطلاقاً من الوضعية الاجتماعية والتاريخية التي تعيشها الشعوب المُستَعمَرة؛ والمناضلة من أجل تحررها وسيادتها الوطنية، وينطبق هذا التوجه على مجمل الشعوب التي هيّمن عليها الاستعمار الغربي ... إن معاينة سريعة للتاريخ تظهر بجلاء أن زعماء حركات التحرر الوطني ذاتهم في إفريقيا على سبيل المثال؛ سبق لهم أن تعلموا في مدارس بلدان الاستعمار ذاته، والعديد منهم قد درس جهازه الإداري وتاريخ هذا البلد، واستقى من ثقافته وحضارته، وعلى سبيل المثال تاريخ فرنسا وحروب الغال، وأدب فيكتور هيجو وأشعار لامارتين ومسرح موليير، ووقف على حياة جان دارك وحروب نابليون ... وأطل على مفكري الثورة الفرنسية، بينما تهدف ثقافة الاستعمار نقل المستَعمرين إلى عدم التفكير بقيمهم وثقافتهم وتراثهم، فالغزو المنظم يأتي في سياقات مخططة ومدروسة.. وهكذا فالاستعمار ليس هيمنة سياسية واقتصادية فحسب، إنما هو أيضاً تسلط حضاري ثقافي، فهو فضلاً عن الغزو والنهب، يهدف إلى بناء سدّنة وطبقات تابعة وأجهزة سياسية وإدارية تخدم مصالحه وتديمها، بدءاً من طمس الثقافة الوطنية، وتوفير أدوات وسدنه لخدمة مصالحه ونفوذه وسيطرته، وفي قطيعة مع الثقافة الوطنية. هنا تصبح الكتابة النثرية؛ والكتابة الإبداعية؛ والإبداع بشتى صنوفه، نوعاً من العلاج في مواجهة الاستبداد والألم والأسى، فهي هادفة إلى إعادة التوازن الفكري الإنساني بشكل سليم، وهي محرض على التفكير السليم في التعاطي مع ردود الأفعال اللا إنسانية ...خاصة في منحى الأدب الروسي وتأصيله للمذهب الواقعي من موقع ابداعه وجمالياته التي ظهرت مبكراً من حيث التاريخ؛ بالتوفيق ما بين الإبداع والحياة الواقعية، لدى المبدعين الروس، لدرجة ان ديستوفيسكي هاجم نقاده الغربيين لقصور فهمهم لهذه الواقعية، ولإختلافها تمام الاختلاف عن مفهوم الواقعية الروسي بقوله: "مثاليتي أكثر واقعية من واقعيتهم، فواقعيتي نقية، واقعية العمق، بينما تنتمي واقعيتهم الى السطح". على سبيل المثال على مستوى الثقافة العالمية أيضاً؛ الأديب الروسي العالمي تولستوي؛ اليوم وبعد أكثر من قرن على رحيله، يمكن لِمَنْ يقرأه اليوم أن يتحسس مباشرةً قضاياه الفكرية الكبرى لدرجة أنه مسؤول عن بكاء أي طفل في هذا العالم، وإذا ما أمعن النظر في توجهاته الرسولية يتبدى له ضمير لهذا العالم، في تحسسه القهر والظلم والألم، وفي تفاعله مع الأحداث بحسّه الإنساني، وعمق انتمائه لمنبته ومحيطه الوطني؛ ولوجوده الإنساني. ولو لم يكن يحتفظ بطفولته، بمعنى ينبوع البراءة الإنسانية الجارف الذي استقى منه؛ لما أنتج روائعه الكبيرة التي تساوقت مع السليقة، وهنا لم تكن عفوية بقدر ما كانت عمل احترافي إنساني دائب، أعاد بها بناء السجايا الإنسانية بمقدار هائل من العمق الإبداعي الإنساني، ونحو حدود صعوبة التكرار في إشعاعها وعصيّها على النسيان، ينبوعاً إنسانياً لكل الأعمار والأجيال رغم مرور الزمن ...، إن تولستوي يعتبر من النماذج الكبيرة في الواقعية العالمية، ويمكن ادراج كامل اعماله في هذا السياق، فهو وفياً لمفهوم "الصدق" وضرورته المطلقة في الأدب والفن. صفات الوطنية والإنسانية النبيلة والصادقة؛ هي واجب المثقف لإضاءة العقول، في رؤى التاريخ وأحداثه الكبرى للارتقاء الإنساني، بدلاً من فلسفة الخراب والتدمير والمصائب الإنسانية.. إن الثقافة الوطنية يجب أن تهتم بالماضي والتاريخ، من أجل أن تربط بين ما هو مفيد به، وبين معاناة وتجارب الحاضر بالمساهمة في توضيح الطريق والآفاق، وفي بناء تيار ثقافي وطني بعيداً عن الاغتراب والانغلاق في الماضي، بقدر ما هو تياراً تحديثياً في الثقافة الوطنية، ثقافة الواقع والمستقبل المأمول، وبعيداً عن أي وعي مزيّف ومسلوب من فعاليته الإنسانية؛ وبعيداً عن الاغتراب في الماضي ونحو المستقبل..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل