المحتوى الرئيسى

ما يمكن لثلاثين عاماً أن تفعله

02/09 16:30

Select ratingإلغاء التقييمضعيفمقبولجيدجيد جداًممتاز  لا يقتل الله من دامت مودّتهو الله يقتل أهل الغدر أحياناًماذا يمكن أن تفعل ثلاثون سنة من الجهل و القسوة و البلادة و موالاة الأعداء و الغدر بالأهل و طعن الأشقاء و الأصدقاء؟.يمكن لهذه السنوات أن تفعل الكثير. يمكنها أن تهدم ممالك و أن تقيم علي أنقاضها ممالك جديدة..يمكنها أن تغير عقيدة بأخري، و تمحو إيمان الناس بكل ما عاشوا عمرهم يؤمنون به!.يمكن لهذه السنوات الثلاثين أن تنشر الخيانة بين الناس و تجردهم من النخوة و الشهامة و تنزع قيم النجدة و الغوث، فتجعلهم يحذون حذو حكامهم فيهرعون إلي الأعداء يلوذون بهم و يعملون في خدمتهم، و لا يرجون من الدنيا سوي رضاهم.يمكن لثلاثين سنة أن تقضي علي الأخضر و اليابس و أن تجعل أعزة أهل البلاد أذلة.في التاريخ الماثل بقوة و الذي لا تغيب أحداثه عن ناظري، حدث هذا علي تحو درامي مأساوي فظيع عندما تداعت قوائم الدولة العربية الإسلامية في الأندلس في الفترة ما بين عامي 1230 و 1260 ميلادية.في هذه السنوات الثلاثين فقد المسلمون حوالي سبعين في المائة من دولة الأندلس التي كان قد مضي علي إقامتها حينئذ حوالي خمسة قرون و نصف كانت مليئة بالبناء و التشييد و الزراعة و الصناعة و ابتكار أساليب حديثة في الري، و إقامة المدائن العامرة الذاخرة بالفنون و الآداب و الفلسفة و الشعر و الطب و الفلك و الرياضيات، و ذلك قبل أن تسقط تماماً بعد حوالي قرنين بتهاوي غرناطة آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الايبيرية عام 1492.إن المرء لا يتمالك نفسه من البكاء عند قراءة تاريخ الدولة الإسلامية في الأندلس، عندما يعرف أن جهداً قليلاً كان كفيلاً بالإبقاء علي هذه الدولة العظيمة حتي اليوم. و من المؤسف أن هذا الجهد القليل كان أكبر من استطاعة ملوك الخور و الهزيمة الذين وجدوا مصالحهم في إضعاف أوطانهم و إضاعة حقوقها.عند قراءتي لتفصيلات سقوط قرطبة و بلنسية و جيّان و أشبيلية، و كلها كانت ممالك منيعة حصينة و ذات شأن، فإنني أتذكر سقوط فلسطين و سقوط بغداد و ضياع جنوب السودان..و يحزنني أنه كان من الممكن أن نمنع سقوطها بقليل من الجهد، بل حتي بدون أي جهد..فقط بالامتناع عن دعم الأعداء و مؤازرتهم بالمال و العتاد و .."الرجال". هذا إذا اعتبرنا من يحاربون أشقاءهم رجالاً!.كل صور التفريط و الخيانة التي عرفناها في أيامنا السعيدة هذه قد عرفها اهل الأندلس مثلنا، و اكتووا بنيرانها مثلنا، و لم يستطيعوا إيقافها مثلنا فضاعت دولتهم و بادت.عندما نتحدث عن عدوان الفرنجة علي أمتنا في يونيو 1967 نجد أن من بين الأشقاء من قدم دعمه اللامحدود للإسرائيليين نكاية في حكام مصر!. و المرء لا يعرف هل يضحك أم يصرخ ملتاعاً و هو يتساءل: و ما ذنب سوريا و أهلها و الأردن و شعبه و فلسطين و ما تبقي منها إذا كان بعض الأشقاء يكرهون حكام مصر و لا يتورعون عن التآمر مع الأعداء ضدهم و لو أدي الأمر لإلحاق الدمار بالشعب دون الحكام!.نفس هذا حدث في السنوات الثلاثين التي أحكي عنها. و كلنا نعرف أن حاكماً صعُب عليه أن يقوم المصريون و السوريون بالثأر من العدو الصهيوني في أكتوبر 73، و شعر بأن لزاماً عليه أن يخبر أصدقاءه (أعداءنا) بموعد الحرب، فأخذ طائرته و هبط بها عند الأعداء و أطلعهم علي ما لديه عشية اندلاع القتال.إذا قرات تاريخ الدولة العربية في الأندلس ستجد هذا الفعل نفسه قد حدث من قبل، و أن هذا الحاكم الأشوس الذي توجه إلي جولدا مائير و موشي ديان لم يكن الأول من نوعه، فهناك من سبقه بالذهاب إلي فرناندو الثالث ملك قشتالة الإسبانية و أطلعه علي خطط جيشنا حين كان المسلمون يهمون بإلحاق الهزيمة بقواته.كما أن الملك خايمي قائد مملكة أراجون الإسبانية أيضاً كان يحظي بنفس الأفضلية و كان يجد من حكام الأندلس من ينقل له ما يدور بين ملوك الطوائف و كانه يجلس بينهم!.لأكثر من سبعة قرون استمرت الحروب بين العرب و الإسبان كانت المدن و القري في أثنائها تنتقل من يد العرب إلي يد الإسبان، ثم لا تلبث أن تعود للعرب، قبل أن يأخذها الإسبان من جديد. سبعة قرون بين كر و فر، تقدم و تقهقر..انتصارات و هزائم، لكن قوام الدولة عموماً كان متماسكاً. لكن ثلاثين عاماً فقط من بين السبعمائة عام هي التي منحت الإسبان انتصارات مدوية لم يكونوا يحلمون بها..ثلاثون عاماً جعلت فرناندو الثالث بطل الأمة الإسبانية بلا منازع، ذلك أن تهاوي أكبر المدن و الممالك الإسلامية و سقوطها قد حدث في عهده و علي يديه، و هو الأمر الذي جعل الإسبان يسبغون عليه القداسة و يحولون محارباً دموياً مثله إلي القديس فرناندو!.ثلاثون عاماً من الفساد و القسوة و الخيانة و الإجرام قاسينا ويلاتها قديماً ، و يبدو أنه مكتوب علينا أن نقاسي ويلاتها من جديد علي يد ملوك الطوائف الجدد. الاسم: البريد الإلكتروني: محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين التعليق: *

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل