المحتوى الرئيسى

هل كل رجال الشرطة مجرمون؟

02/09 16:30

Select ratingإلغاء التقييمضعيفمقبولجيدجيد جداًممتاز  لا شيء يثير غضبي و نقمتي قدر أن يظهر أحد الفلاسفة في تليفزيونات الوكسة الحكومية و الخاصة متحدثاً عن رجال الشرطة بأنهم أبناءنا و إخوتنا و أنهم جزء أصيل من شعب مصر. ما يثير غضبي و نقمتي أن هذا الأمر كان في الغالب يحدث عقب جريمة قتل لأحد المواطنين علي يد ضباط و أمناء و مخبري جهاز الشرطة إما في أحد أقسام البوليس أو أقبية أمن الدولة أو حتي في الشارع.كلما ثار الناس علي الإجرام الذي يتعرضون له علي يد المجرمين في جهاز الشرطة سارع الإعلاميون الذين تم تعيينهم بواسطة الأمن إلي استضافة عدد من أسافل القوم الذين يأكلون السحت و يشربون من دموع الضحايا لاستعراض ثقافتهم الضحلة أمام العدسات في حديث ممجوج بائس شديد التهافت عن أن جهاز الشرطة هو جهاز وطني عظيم يحمي مصر و عن أن التجاوزات -إن حدثت-  ليست إلا استثناء و هي مجرد بقع متناثرة في ثوب الشرطة الأبيض الناصع.و لا يكتفي الإعلاميون الفالصو و ضيوفهم من أكلة لحوم البشر بهذا الفاصل الدعائي، و إنما يدخلون لنا من مدخل عاطفي يتحدث عن أن رجال الشرطة يقاسون و يتعبون و يحتملون العمل في ظروف صعبة، ثم يدللون علي هذا قائلين: يكفي أنهم يقفون في الشارع في حر الصيف و برد الشتاء..يكفي أنهم يتحملون عبء غياب السياسة عن الشارع المصري..يكفي أنهم يتحملون أوزار فشل وزارات و مسؤولين..يكفي أنهم يتقاضون أجوراً متواضعة لا تتناسب مع الأهوال الملقاة علي عاتقهم.أعترف لكم بأنني و رغم إقراري بصحة بعض هذه الحجج لم أشعر أبداً بتعاطف مع رجال الشرطة و لا مع ما يبذلونه من جهد، و موقفي هذا لا يعود لقسوة قلب أو غلظة في الطبع و إنما لعكس هذا تماماً، فأنا أحمل حباً غامراًَ لبني وطني، و عندي أن إهانة الناس جرم لا يغتفر، لا يغتفر، لا يغتفر. إهانة الناس و البصق في وجوههم لا يمكن أن يبرر بالإرهاق و الإجهاد في العمل. تعذيب الناس و ضربهم بالسياط للإعتراف بجرائم ارتكبوها أو لم يرتكبوها هو أمر لا يمكن غفرانه بحجة ضغف الإمكانيات و قلة أدوات البحث و التحري.هذا فضلاً عن سبب أساسي ينسف كل دفاع  عن رجال الشرطة المتعبون المرهقون المنهكون من العمل طول اليوم،  و هو أن جل تعبهم و إرهاقهم و إنهاكهم لا يتم لصالحنا و لا لأجل عيوننا، و إنما كل جهدهم هدفه إرعابنا و إرهابنا و ترويعنا و حماية اللصوص الذين سرقونا و الكفار الذين عذبونا و شواذ الحزب الوطني الذين أهانونا. أما أمننا و سلامتنا و حياتنا فهي أمور لا تعنيهم. لهذا فقد كنت أنظر دائماً بسخرية للحديث عن التعب و الإرهاق الذي يمكنني أن أعترف به لكني لا أشعر إزاءه بأي امتنان!. و كيف أنظر بامتنان إلي عمل مجنون مثل إيقاف آلاف العساكر و وجوههم إلي الحائط في الشوارع لمدة عشر ساعات متتالية لمجرد أن شخصاً ما قد يمر!!..هذا مثال للجهد العقيم الذي يبذله رجال الشرطة دون أن تكون له فائدة لنا.مثال آخر يتعلق بآلاف الرجال من كل الرتب الذين يقفون في الشارع لتنظيم المرور..هذا الأمر تجاوزه العالم منذ بدايات القرن العشرين عندما تم اختراع إشارات المرور التي تغني عن عذاب رجل الشرطة و وقوفه تحت الشمس و المطر!..فما شأننا نحن إذا كانت قيادات الشرطة نعذب رجالها بدلاً من تشغيل إشارات المرور؟. و لا يتنطع أحد قائلاً إن المصريين لا يحترمون الإشارات المروررية،لأن المصري إذا أحس بالجدية و النزاهة و العدل فإنه أكثر مواطني العالم أدباً و التزاماً.و علي الرغم من أنني لست ممن يرون في جريمة الرشوة شيئاً هيناً فإني و من منطلق إنساني بحت كنت أشعر بالرثاء للموظفين الفقراء الذين لا يستطيعون الكف عن تقاضي الرشوة و إلا هلكوا بعد أن جوّعهم نظام حسني مبارك و سحب ثوب الستر من فوق أجسادهم.كل الموظفون الفقراء الذين مدوا يدهم بالتسول و الإرتشاء حصلوا علي تعاطفي..إلا رجال الشرطة المرتشين..وحدهم لم يحصلوا علي أدني تعاطف من جانبي لسبب بسيط و هو أن تسولهم و طلبهم الرشوة كان يأتي دائماً مشفوعاً بالتهديد، و كان رفض الإنصياع لهم تتلوه عواقب يجللها الدم و الكسور و الرضوض و السجحات  و أحياناً إزهاق الأرواح. هذا هو الأمر الذي جعلني أفرق دائماً بين فقير منحرف يتسول أو يطلب الرشوة ثم لا يلبث أن يرضخ و يؤدي لك المصلحة إذا ما شكوته أو رفعت صوتك عالياً بالرفض..و بين متسول شرس يمسك سلاحاً يهددك به و لا يترك لك خياراً بالرفض.لهذا كله عندما يتردد السؤال: هل كل رجال الشرطة مجرمون؟.. فإن إجابتي تكون أنه مثلما كنا نقول دائماً في الحديث عن القضاء المستقل و القضاء التابع أن لدينا قضاة مستقلون دون قضاء مستقل، فإنني أستطيع القول بأنه لدينا شرطيون شرفاء و لكن في وجود حاكم مجرم فإن جهاز الشرطة لا بد و أن يواكبه و يجاريه في إجرامه . لذلك يتعين بعد نجاح الثورة و استتباب الأمر إعادة تنظيم هذا الجهاز و ترتيبه علي أسس جديدة و منح أفراده مرتبات تليق بالبشر و عدم تكليفه بتكليفات إجرامية لأنه ثبت لنا أن جهاز الشرطة أشبه بالحيوان الأعجم الذي لا عقل له و لا قلب، و أنه ينفذ تعليمات الرؤساء حتي لو خالفت تعاليم ربنا و خالفت تربية الأمهات و الآباء.يمكنك أن تحصل من هذا الجهاز علي أداء محترم إذا أصدرت إليه أوامر محترمة و أعليت من شأن من يلتزمون من أفراده بالقانون.. كما يمكنك أن تحصل منه علي سفالة و انحطاط إذا أصدرت له أوامر مخالفة للقانون و أعليت من شأن الأكثر إجراماً و وحشية من أفراده.و هذا يؤكد علي ضرورة الديموقراطية و تداول السلطة، فالديموقراطية من شأنها أن تضمن لنا أن من ننتخبهم ستصدر عنهم بالضرورة أوامر لجهاز الشرطة تتفق مع حقوق الإنسان و الحيوان و النبات!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل