المحتوى الرئيسى

الورد يفضح الخيبة والأساطير

02/09 08:13

الليلة التى تفتح فيها الورد فى شوارع مصر كانت الليلة الحاسمة. فهى كانت ليلة الاختبار الحقيقى التى انكشف فيها الفشل المدوى لعدد من أجهزة الدولة ومؤسساتها وانفضحت فيها مجموعة من الأساطير التى فرضت على المصريين فرضا حتى صدقها بعضهم واقتات عليها العالم من حولهم. فالفشل المدوى لجهاز الأمن لم يكن فقط فى تلاشيه المخجل وإنما فى أدائه الوحشى أيضا، والحساب لابد أن يطول كل كليات ومعاهد إعداد رجال الأمن. فنحن نريد أن نعرف بالضبط ما الذى يعلمونه لأولادنا فيها حتى تموت قلوبهم بالشكل الذى شهدناه بالصوت والصورة فى كل ربوع مصر. لكن الفشل لم يكن من نصيب جهاز الأمن وحده، فقد رأينا مثلا كيف انصرف المصريون عن المؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية على السواء حين باتت بعيدة عن نبضهم وهمومهم. استفتى المصريون قلوبهم دون حاجة لأوصياء ووجد المسلمون والمسيحيون أنفسهم تلقائيا يبحثون معا عن الخلاص المشترك. ورأينا أيضا كيف انصرف الناس عن الإعلام الرسمى الذى تورط فى حملة تشويه لخيرة شباب مصر وراح يتهمهم بالعمالة لكل من يخطر على بالك، بدءا من إسرائيل وأمريكا ووصولا لحزب الله وحماس- وإن كنت لا أعلم لماذا نسى كوستاريكا! ومن الواضح تماما أن الإعلام الرسمى لم يفهم بعد أن ثورة الشباب كانت فى جوهرها ثورة من أجل الكرامة المهدرة ورفضا للاستخفاف بالعقول من جانب أصحاب المصالح الذين لا عقل لهم أصلا. لكن شبابنا الواعى فضح بأدائه أيضا حزمة من الأساطير كانت أولاها أسطورة حزب الثلاثة ملايين عضو الذى اتضح أنه أكبر الأحزاب الورقية فى مصر. فأى شعبية تلك التى يتحدثون عنها حين يكون رد الفعل التلقائى فى الأزمات الكبرى هو التوارى المنظم عن الأنظار لكل رموز الحزب المهمة؟! وأين هى القوة التنظيمية الهادرة إياها التى سحقت المعارضين وحققت الانتصارات المؤزرة فى آخر انتخابات وهمية؟ ولماذا حين احتاج الناس لحماية أرواحهم وممتلكاتهم لم نجد أثرا لحزب «الأغلبية» المزعومة ولم يطل علينا سوى بلطجية الانتخابات؟ وقد انفضحت أيضا حكاية الفتنة الطائفية التى تبين أنها كانت مصنوعة صنعا هى الأخرى لصرف المصريين عن همومهم وأولوياتهم الحقيقية. ففى خضم الانفلات الأمنى الذى شهدته مصر لم تحدث واقعة طائفية واحدة، وكانت اللجان الشعبية تحمى الكنائس والمساجد معا. ولم يفرق الرصاص الحى ولا سيارات الأمن بين مسلم ومسيحى فالكل يجوز دهسه تحت العجلات طالما هم شباب ثاروا من أجل كرامتهم. أما الأسطورة الثالثة التى اكتشف العالم- قبل المصريين- زيفها فهى حكاية «إما الاستبداد أو الإخوان». فقد سبق الشباب القوى السياسية كلها بما فى ذلك الإخوان، ولا تستطيع أى قوة أو تيار أن يزعم أنه صاحب الثورة، بل صار على الجميع أن ينصتوا لما يريده من ضحوا بدمائهم فى كل شوارع مصر وميادينها. لكن هناك من لا يزالون يصرون على صناعة الأساطير حتى هذه اللحظة. ومن ذلك تلك الأسطورة الجديدة التى تطالب المصريين بالاختيار بين الفوضى وبين بقاء الفساد والظلم، وهى أسطورة كبرى لأنها فضلا عن منطقها الفاسد الذى لا يدين إلا أصحابها، المسؤولين أصلا عن كل ما جرى، فإنها تتجاهل أن مصر لم تكن أكثر وعيا وحيوية وتلاحما مما هى عليه الآن منذ عقود طويلة. فالمصريون أثبتوا من جديد أنهم شعب عظيم يستطيع تسيير أموره بفاعلية إذا ما انفلت عيار أجهزة فاسدة. ثم ما كل هذا الحديث عن الأمن والاستقرار «الذى كان»، بينما المركز القومى للبحوث الاجتماعية كان قد أكد فى استطلاع له نشر قبل شهور أن 90% من المصريين لا يشعرون بالأمن فى الشوارع أصلا بسبب الفساد وانهيار سيادة القانون! لكن صمود شبابنا كشف عن المدى الذى يمكن أن يصل إليه أصحاب المصالح غير المشروعة، فقد ثبت أن هناك من هم على استعداد لحرق مصر كلها من أجل الحفاظ على ما حصلوا عليه دون وجه حق. ولا أعرف من هو يا ترى ذلك العبقرى الذى تصور أن تأييد مبارك بقنابل المولوتوف والزجاجات الحارقة والسنج والمطاوى سيقنع الناس بأكذوبة «الاستقرار»؟ ورغم كل تلك المصائب التى تشير إلى أن الدرس لم يتم استيعابه حتى هذه اللحظة، رأينا شبابا كالورد يحافظ بصموده على سلامة عقول كل المصريين وسط هذا الإجرام الجنونى الذى يتحتم أن يحاسب كل المسؤولين عنه فى محاكمات عاجلة. لكننى لا أخفى على القارئ العزيز أن ذهنى هذه الأيام لا يفارق شهداءنا الذين سقطوا فى كل ربوع مصر دفاعا عن كرامتنا ومستقبلنا. أقول لهم سامحونى لأننى مازلت حتى اليوم أتحدث عنكم دون أن أذكركم بأسمائكم ولكننا نتعهد بأن نعرف اسم كل منكم ونخطه فى قلوبنا وعقولنا بحروف من نور، وبحق دمائكم الطاهرة التى سالت على أرض مصر نعدكم بأن نحاسب المسؤولين عن استشهادكم. أما المستقبل الذى ضحيتم من أجل بنائه فقد صار دينا فى أعناق كل المصريين، يتحتم علينا جميعا ألا نتنازل أبدا عن بنائه بما يليق بكم. تحية لأرواح شهدائنا الأبرار ولعنة الله على المفسدين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل