المحتوى الرئيسى

الثورةُ على الاحتقار

02/09 08:13

لم يكن بإمكانى استكمال «السباعية» الحالية فى ظل الأحوال الجارية فى مصر الآن، وهى الأحوال التى تتقلَّب كل حين وتتدحرج معها البلاد إلى ناحيةٍ لا يعلمها إلا الله. ولذلك، فسوف أقطع اليوم كلامى عن (فتح الأندلس) للكلام عن «سر» الثورة الحالية التى تملأ ربوع مصر، وتتردد أصداؤها فى أنحاء عالمنا المعاصر، شرقاً وغرباً. ■ ■ ■ فى إحدى الليالى التى نقضيها فى نقاشٍ متواصلٍ حتى اقتراب الصباح، كلما جاء د. أحمد زويل إلى الإسكندرية، سألنى عن أخطر المشكلات التى تواجه مصر، هل هى انهيار التعليم أم ضعف الاقتصاد أم الفساد الإدارى . إلخ، فقلت له ولمن يجلس معنا (د. ممدوح حمزة، هانى الكيخيا، وسيم محيى الدين) وقد توغَّل بنا الليل، ورقَّت نسماته الآتية من بين أشجار منطقة المنتزه، ما ملخصه: المشكلة الأهم والأخطر فى مصر المعاصرة، هى هيمنة «البنية الاحتقارية» على المجتمع بأسره، بحيث تنتظم العلاقات كلها على قاعدة (الاحتقار) الذى يعم المجتمع، ابتداءً من رأسه الأعلى، حتى أطراف قدميه، وهو الأمر الذى يفسِّر، كما سنرى بعد قليل، كثيراً من الظواهر المعلنة والخفية فى حياتنا الحالية، ومن بينها «الثورة» الحالية التى يحلو للبعض تسميتها: حركة، انتفاضة، عصياناً.. إلى آخر هذه التسميات السخيفة. ■ ■ ■ يبدأ «الاحتقار» فى الاستيطان بالبلاد، والغوص فى أرضها، مع شعور الحاكم الأعلى بأنه وصل إلى كرسيه مصادفةً، أو حسبما يقال بالعامية: فلتة (وهى أيضاً كلمة فصيحة، وصفوا بها وصول بعض الخلفاء إلى الحكم) فإذا استطال زمنُ استيلاء هذا الحاكم الذى تولى الأمر على نحوٍ «فجائىٍّ» غير خاضع للنظم المعتادة (الوراثة الملكية، الانتخابات الديمقراطية) يترسَّخ فى أقصى القاع السيكولوجى (النفسى) لهذا الحاكم، أنه أقل قيمة من الكرسى الذى يجلس عليه، وبالتالى فإن موضعه الحالى فى حقيقة الأمر، أمرٌ لا يعُوَّل عليه.. يقول شيخ الصوفية الأكبر، محيى الدين بن عربى: المكان إذا لم يُؤنث، فيصير مكانةً، لا يُعوَّل عليه. ولكى يتخلَّص الحاكم المستولى على الأمور، فلتةً، من هذا الشعور المرير العميق، غير المعلن، يسعى بشكلٍ تلقائىٍّ غير واعٍ فى معظم الأحيان، للتخلص من الإحساس بالاحتقار الذاتى، من خلال احتقار الآخرين. فيحيط نفسه بالأشخاص أنفسهم طيلة مدة حكمه، حتى يبذلوا له من تحقير أنفسهم ما يساعده على التخلص من احتقاره لذاته. وبالطبع، فالعلاقة بين الحاكم ومن حوله، لا تقوم على التصريح بأنه يحتاج هذه (الحاشية) التى تحقِّر نفسها أمامه، لتعويض شعوره العميق بالاحتقار الذاتى، وإنما تُصاغ هذه العلاقة على هيئةٍ كاذبةٍ يوصف معها المحيطون بالحاكم بأنهم: أهل الثقة، أصحاب الولاء، جماعة المماليك.. إلخ. ■ ■ ■ وقد تولَّى الرئيس حسنى مبارك الحكم، فجأةً، وما كان كثيرٌ من المصريين يعرفه يوم مقتل الرئيس السادات (مع أنه كان نائبه) لكن جموع الشعب يومها، نسيت كل مشاكلها مع السادات ومع الجماعات الدينية التى أطلقها فى قلب البلاد، ونهشت قلبه فجأة. وارتضى الناسُ حرصاً على البلاد، بحكم مبارك الذى اعتلى الكرسى فلتةً، ووعد الناس بالكثير لكنه لم يفعل إلا القليل.. وكان مما وعد به الناس ولم يفعله، تأكيده على أن مصر (دولة القانون) وأنها (دولة المؤسسات) وأنها (كيان ديمقراطى) بينما كان ترزية القوانين ومرقعو الدساتير يعبثون سراً وعلانية بنصوص القانون والدستور، بما يضمن بقاء الرئيس رئيساً مدى حياته، وبما يمهِّد لرئاسة ابنه من بعده. وبالطبع، فإن الرئاسة مدى الحياة، ووراثة الابن لحكم أبيه «الجمهورى، الديمقراطى، الدستورى» بالإضافة إلى بقاء الحاشية ذاتها حول الرئيس لعشرات السنين، مع عمل تغييرات شكلية فى مواضعهم وفق ما يسمى بلعبة (الكراسى الموسيقية) وهى اللعبة التى يخرج فى كل دورة منها أحدُ اللاعبين، غير أن لعبة (الكراسى الحكومية) لا يخرج فيها اللاعب إلا بالموت أو بالعجز الكلى الشامل.. ومن هنا، بقيت تلك الأسماء (الأبدية) التى عرفناها طيلة العقود الثلاثة الماضية، من دون تغيير. ومع ما سبق، بالإضافة إلى عمليات التهليل الإعلامى الدائم، والإخفاء المتعمد للحقائق، والكذب والتدليس. يتخلَّص الرئيس (أىُّ رئيس) من شعوره الدفين بالاحتقار، بأن يحتقر الذين حوله على اعتبار أنهم «خدم» له مؤبَّدون، ولا يحتمل الاحتكاك بوجوه جديدة لا تنظر إليه بالإنكسار الذى اعتاده من هؤلاء المحيطين به.. ولذلك، فقد فزع السادات يوم ناقشه الشاب حمدين صباحى على الملأ، وصاح فيه بعصبية: الزم حدود الأدب! وهو الموقف الذى حرص المحيطون بالرئيس مبارك على عدم تكراره، بانتقاء الذين يتحدثون مع الرئيس فى المناسبات المختلفة، ولما خرج د. حسن حنفى يوماً عن السياق، فى لقاء مبارك بالمثقفين فى معرض القاهرة للكتاب، صار واحداً من المغضوب عليهم، ومن الضالين. وبعد حين، أُلغى لقاء الرئيس مع المثقفين فى معرض الكتاب، وعُهد بهذه المهمة غير المأمونة لرئيس الوزراء، الذى ما لبث بدوره أن تشاغل عن عقد مثل هذه اللقاءات، وصارت نسياً منسياً. غير أن الحاشية الملازمة للحاكم، لا يلبث الاحتقار الذاتى أن يتسلل إلى نفوسهم شيئاً فشيئاً، فيحتاجون إلى دفعه بعيداً عنهم، بالطريقة ذاتها التى دفعوا بها الاحتقار الذاتى عن ربهم الأعلى (الرَّبُّ هنا بالمعنى الاجتماعى لا الدينى) فيحيطون أنفسهم بجماعات من أهل الثقة والولاء والتذلل الذى يخفِّف من شعورهم الذاتى العميق، المؤلم.. ومن هنا، يستلسل الأمر ويتسلَّل إلى الجهاز الحكومى كله، بكل ما فيه من مؤسسات، فيغدو المجتمع كله غارقاً فى البنية الاحتقارية، التى يتم فيها التخلّص من وطأة الاحتقار بالاحتقار، ومن مرارة الشعور بالاحتقار الذاتى بتحقير الآخرين. وهو الأمر الذى يتجلَّى فى الوقائع اليومية التى من نوع: قطع الطرق على الناس بالساعات لمرور الحاكمين، السخرية العلنية من الجمهور ومن المعارضين، الاستخفاف بعقول الناس عبر أداء إعلامى ساذج، التلويح الدائم بأن البلاد مستهدفة ولن ينقذها إلا العسكريون.. أتذكر الآن قول «أمل دنقل»: قلتُ لكم فى السنة البعيدة عن خطر الجندى، وعن همَّته القعيدة يحرس مَنْ يمنحه راتبه الشهرىَّ وزيه الرسمىَّ كى يرهب الخصومَ بالجعجعة الجوفاء والقعقعة الشديدة لكنه إن يحن الموتُ فداء الوطن المقهور والعقيدة، فَرَّ من الميدان وحاصر السلطان وأعلن الثورة فى المذياع والجريدة قلت لكم، لكنكم لم تسمعوا هذا العبثْ ففاضتِ النارُ على المخيمات، وفاضتِ الجثثْ. ■ ■ ■ استولت على المجتمع المصرى البنية الاحتقارية، رويداً، مع الانقلاب العسكرى الذى قام به الضباط الأحرار (لاحظ التناقض بين الضبط والتحرُّر) الذين احترم الملك السابق نفسه معهم، وأخلى لهم الساحة، فكان منهم ما كان من تعطيل القوانين والاستعلاء عليها، والجرى وراء الليالى الحمراء (نسبة إلى الراقصات والفنانات) والليالى الزرقاء (نسبة إلى تدخين الحشيش) والليالى البيضاء (نسبة إلى جهل جماعة حكموا البلاد من قبل أن يتموا تعليمهم) والليالى السوداء (نسبة إلى الهزائم المتوالية على يد الدويلة المسماة إسرائيل) والليالى الغبراء (نسبة إلى سلب أموال الأغنياء ومنحها الفقراء لكسب رضاهم) والليالى الرمادية (نسبة إلى احتراق الرموز الفكرية وإيداع المثقفين فى المعتقلات). وقد تحوَّل الرئيس السادات عن التوجهات التى أرساها سلفه الكبير عبد الناصر، وطرح نفسه علينا باعتباره «بطل الحرب والسلام» وكأنه كان يحارب إسرائيل وحده، ثم استخفَّ بنا بأن لبس مسوح الرهبان والمتصوفة، وصار يختلى مع ربه فى الوادى المقدس بسيناء.! فلما قُتل بغتةً، وصار الرئيس «مبارك» رئيساً فجأةً، صارت صورته الإعلامية النمطية الأبدية، تقوم على أنه «صاحب الضربة الجوية» فى إلماحٍ مباشر بأنه صاحب الفضل فى نصر السادس من أكتوبر، وهو تحقيرٌ لقُرابة مليون شخص كانوا يحاربون، ويموتون (ولا يعلمون إلى الآن، مَنْ كان منتصراً) وتحقيرٌ للتفكير المنطقى القائل بأن «العبور» هو إنجازٌ لسلاح المهندسين، لا الطيران، وأن «الثغرة» التى وقفت فى حَلْق انتصارنا، نتجت عن تقصير الطيران المصرى فى قصف المدرعات الإسرائيلية المتسللة إلى الدفرسوار.. المهم، ظل الرئيس مبارك فى الحكم ثلاثين عاماً، يهلِّل له الحقراء والخفراء، الذين راحوا مؤخراً يمهِّدون الأمر لابنه الذى ما أنزل الله به من سلطان (فليس هو بالشخصية الكاريزمية المؤثرة، ولا بالعقلية الخارقة الباهرة) وبعد أن كانت جموع المصريين تعيش على ظلال «العزة» التى منحتها لهم بلادهم، فى بلادهم وفى الدول العربية المجاورة. راح الاحتقار يتسرَّب إلى صورة المصرى فى وطنه، وفى ديار هجرته الخليجية وغير الخليجية، وصار معظم المصريين مهاجرين من بلادهم، أو ساعين للهجرة منها (والمهاجر المقيم أكثر بؤساً من المهاجر الذى رحل! حتى إن بعضهم قال: لو لم أكن مصرياً، لوددتُ أن أكون مصرياً بالخارج). ولما عمَّت الطامة الاحتقارية، ورفرفت أجنحتها فوق البلاد وقلوب العباد، ظنت مؤسسة الحكم فى مصر أن القياد قد انتظم تماماً بين أصابعها، وبالغت فى الاستعلاء على الناس.. فعلى سبيل المثال: قال الرئيس قبل انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، إنه «يتمنى» أن تكون الانتخابات نزيهة! وقال بعد الفضيحة التزويرية المدوية، إن إجراء الانتخابات مَرَّ ببعض «التجاوزات» لا أكثر ولا أقل، والمعارضون «يتسلّون» بالكلام فى هذا الموضوع! ■ ■ ■ فلما ابتدأ انفجار الأحداث الأخيرة، التى تعامل معها الإعلام المصرى (الحكومى) على قاعدة الاحتقار العام، فسماها تسميات احتقارية من مثل: «غضب الجياع، الانتفاضة الشبابية، المتظاهرون ضد الرئيس..إلخ» احتقرت مؤسسة الرئاسة الأمر، وتأخَّر الرئيسُ عن الردِّ والمواجهة، لأن الذين حوله من كهنة ودهاقنة البنية الاحتقارية، أقنعوه بأنها «شوية دوشة»، لا ترقى إلى مستوى خروجه للرد عليها. فلما خرج متأخراً، ألقى لمن قالوا له إنهم مجرد كلاب تنبح فى الشارع، بعظمة تلهيهم، هى «التغيير الشكلى للوزارة» فلما ظهر أن الملايين الثائرة ليست كلاباً تنبح، وأن العظام لا تلهيهم، وأنهم يقومون بأول ثورة شعبية فى تاريخ مصر منذ آلاف السنين (على اعتبار أن حركة الضباط الأحرار كانت انقلاباً عسكرياً، أيَّده الشعب، فسُمى تجاوزاً: ثورة) وأن الثائرين ليسوا فى حقيقة الأمر جياعاً، وليسوا كلهم شباباً عاطلاً عن العمل، وليسوا حقراء.. جاء الظهور الثانى للرئيس، وقد ارتضى أن يجعل له نائباً (مع أنه قال قبل سنوات قليلة، إنه لا يجد أحداً لهذا المنصب)، فوجد فجأة نائباً كان أصلاً ينوب عنه خفية فى أمورٍ مهمة، ووقائع مدلهمة (منها الملف الفلسطينى) وجعل للوزراء رئيساً جديداً منهم، كان فيما سبق وزيراً (لم تعلق به شوائب الحزب الحاكم) .. ثم بلغ تجلى «البنية الاحتقارية» غايته، مع قول الرئيس فى خطابه الثانى، إنه: بصرف النظر عن الأحداث الجارية، فإنه لم يكن ينتوى الترشح للرئاسة. ■ ■ ■ غير أن الثائرين، ومعظم المصريين المعاصرين، كانوا قد كسروا الجدران الكثيفة (الموهومة) التى غرستها البنية الاحتقارية فى ربوع البلاد طيلة الستين سنة الأخيرة، بسبب اتصالهم بالعالم الخارجى وتفاعلهم (الإنترنتى) مع العالم المتقدم، وتجرعهم كؤوس المرارة الاحتقارية فى بلادهم وفى مواضع هجراتهم، ولأسباب أخرى يضيق المقام هنا عن استعراضها جميعاً، لكنها جميعاً هى أسباب (الثورة) الحالية، التى لا يعلم إلا الله، مداها. وخلال الساعات الأخيرة (كتبتُ هذه المقالة فجر يوم الأحد الماضى) بدأت بوادر انفراجةٌ تلوح فى الأفق.. فقد احترم نائبُ الرئيس ورئيسُ الوزراء، الناس (لأول مرة منذ زمن طويل) وتحدَّثوا إليهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، وعلى الحكام أيضاً واجبات، ولهم حقوق (الطاعة)، ما داموا يعملون لصالح الناس. وهو ما يعرف فى الفكر السياسى المعاصر، بنظرية: «العقد الاجتماعى».. وكان غريباً على مسامع الناس أن «يعتذر» رئيس الوزراء عن الممارسات البائسة التى منها إطلاق (البلطجية) والسجناء على الناس، لإشاعة الشعور بأن «مصر مستهدفة».. وكان غريباً على أنظار الناس أن يروا دهاقنة الحزب الحاكم وكهنة النظام (الاحتقارى) قد تم اقصاؤهم عن كراسيهم التى اعتقد كثيرون أنها أبدية لا تزول إلا بالوفاة (مثلما حدث مع كمال الشاذلى).. وكان غريباً على عقول الناس أن يعرفوا مقادير الثروات التى بيد أقطاب النظام السابق، وهى مبالغ تفوق ديون مصر، وتكفى بأن تضاعف الميزانية العامة للبلاد عدة أضعاف.. وكان غريباً على نفوس الناس أن يستعيدوا احترامهم لأنفسهم كمصريين متمردين (لأول مرة) على البنية الاحتقارية. وهذا هو المعنى الحقيقى، والأصيل، لـ«الثورة».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل