المحتوى الرئيسى

القهر بقلم : محمد يوسف جبارين

02/09 00:13

القهر بقلم : محمد يوسف جبارين ( أبوسامح )..أم الفحم ..فلسطين من استعذب العذاب في سبيل قضية يؤمن بها ، فلا يمكنه القهر أن ينال من ايمانه ، ولا من سيرورته في الوعي الجماعي ، ولا مما يوقده في الهمم من اقبال على البذل ، في سبيل القضية التي سرعان ما تغدو أمانة يحتضنها ايمان جماعي ، ويسعى بها ، برغم القهر النازل بكل عصف . فاذا القهر أداة صناعة الردع لانتزاع ايمان بقضية ، فلا يعود هناك في النزوع ، ما يملي تحديا لأدوات القهر ، فان هذا الايمان بالقضية بذاته ، وفي حقيقة املاءاته ، يتدفق بصورة دائمة ، بهموم الآمال ، يستحوذ بها على الارادة ، وبالعزم يستنهضها ، يدفع بها في مواجهة القهر وأدواته . وقد ينطق التاريخ ، ويقول ، بأن الاستجابة الهادرة ، بالحركة الواعية التي تنشد الآمال في الحرية ، انما هي املاء ايمان بحق أصحاب الأرض في سيادتهم على أرضهم ، وهي بما تناهت اليه بالارادة ، في مجرى الصراع مع الغرباء عبر الزمان ، قد أبدعت زحزحة القهر عن مواقعه ، ورسمت له سيرا تراجعيا ، حتى استحال بمرور الأيام يزفر كمدا وغما وهما ، ينطق بما يرين على كاهل الذين احترفوه ، واتخذوه وسيلتهم ، في سعيهم الحثيث في فرض سيادتهم ، غصبا وقهرا ، على من ظنوهم ، بأنهم سوف يرجفون بعذاب ينزلونه بهم ، فيرتدعون ، فيكفون عن اعتراض سير الأطماع الاستعمارية نحو آمالها في السيطرة . واذا كان مطلوب القهر هو انتاج اسقاط من رتبة المقدرة على انجاز املاء هوية جماعية تقول : هذه الأرض أرضي ، فليس ذلك الا لأن تحصيل القهر هو أن يكون هناك المقهور بارادة القهر ، وذلك لتحقيق مراد القهر بذاته ، فممارسته ذات تكلفة وليست بحال اعتباطية ، ولا هي بعشوائية ، وانما هي مرسومة بغايات يراد الرسو عليها . فما المقهور ؟ ، انه من نزل به عذاب ، ولم يملك رده ، فلا قبل له به ، ولا برده ، فمعاناته مقدوره الذي لم يقتدر بحال أن لا يحيق به ، فهو ضعيف بحكم ضآلة قدرته ، بازاء النازلة التي نزلت به ، فليس به قدرة تكفيه يتصدى بها ، ويقوى على صد النازلة التي تتواثب عليه ، ومنعها من أن تنزل به . فالقهر كلمة دالة على معاناة وعجز ، وعلى أداوت قمع بيد من يمارس القهر ، وعلى رفض ومقاومة من جانب من يعاني ، فوجود المقاومة سلب من جهة من يعاني لمشروعية القهر الذي يعانيه ، فلا مشروعية للقهر . ولن نجد من يعاني القهر يوافق من هو سبب في معاناته ، على ما يسببه له من معاناة . فالرفض للمعاناة جوهر في من يعانيها ، وطالما أنه انسان ، فالرفض والمقاومة انبثاق التلقائية لمعاناته ولأسباب هذه المعاناة . أما أن يكون الرفض في محل استهجان واستعجاب من جانب من يمارس القهر ، فمثل ذلك كمثل متعجرف غريب الأطوار يقول : اني أقوم بتعذيب هؤلاء ، فلماذا يضجون ويصخبون ويئنون ، اني أقتلهم ، أريحهم من وجودهم ، فما بالهم يتململون ويرفضون ويقاومون ، أو كمثل يهودي متعصب غارق في جنون تعصبه ، يقول هذه الأرض لنا ، فما بقاؤهم هنا ، ان وجودهم هنا هو الخطأ التاريخي الذي نحاول تصحيحه ، فاذا لم يغادروا أرغمناهم على ذلك ، فان رفضوا وقاوموا ، فقد اختاروا هم بأنفسهم أن يتعذبوا أو يموتوا بأيدينا . لسنا نحن الذين اخترنا لهم العذاب ، ولا القتل ، انهم هم بعنادهم ، برفضهم ، بتمسكهم بأوهامهم ، باستماعهم لأقوال من يحرضونهم ، اختاروا أن يعانوا وأن يقتلوا ، ولسنا نحن الذين اخترنا لهم مصيرا كهذا ، فلقد اقترحنا عليهم أن يغادروا ، فهم لا يريدون أن يعيشوا بسلام ، وهم الذين يتسببون بالمشاكل . وعلى وعي كهذا فان المقتول هو من كان سببا في مصرعه ، فهو من لجأ الى ارادته ليحافظ على حقوقه ، أبى أن يتنازل عنها بمحض ارادته . كذلك من يتعذب شوقا الى حقوقه ، فتعلقه واستمساكه بها هو السبب في عذابه ، فلو أنه تنازل وفك رباطه بأرضه وبمقدساته ، لكان بلا جمرات من نار تشوي له كبده . فالقهر فعل بغيض محقق بارادة عدوانية ، لا تستسيغ رفضا أو مقاومة تعترض على نزعاتها وممارساتها ، فهذه المقاومة ، باعتراضها ، تستدعي جهدا اضافيا ، يثقل على الارادة الباغية ، ويرغمها على مضاعفة امكانياتها التي من دونها لا يمكنها أن تقدر على ممارسة القهر ، في سعيها الى غاية ، وهي من أجل بلوغها ، فانها دائمة التأهب لارتكاب أفظع الجرائم . فهذه الغاية مصلحة انحفرت في وعي الارادة العدوانية في رتبة يعدل الحصول عليها استعمال أبشع الوسائل ، وارتكاب أفظع الأفعال ، بدءا بالاعتقال الى النفي من المكان ، فسفك الدماء . فمصلحة كهذه لا بد وأن تكون من تلك التي تتقرر في ضوئها مسائل الحرب والسلام ، فهي ذات صلة عميقة بأمور الهوية والانسان والأرض . فالارادة التي تبغي الغاء وجود المسجد الأقصى واقامة هيكل في مكانه بدلا عنه ، وتجاهر بذلك بكل وضوح ، انما هي ارادة تعبر عن اعتقاد راسخ لديها ، وتريد أن تؤهل هوية اعتقادها بالغاء هوية أمة اسلامية بحالها . ولما أن اعتقادا كهذا يلهب الارادة ويؤجج فيها الحماسة وجنون التعصب الأعمى ، فان عدوانيتها الفائرة على الدوام ، لا تعرف راحة من محاولاتها الاقتراب مما تظنه اكمالية هوية ، يقترن بها تجسيد الأسطورة في الحاضر ، فتتخذ تاريخية تتخفى بها ، فينسلخ ماض لم يكن ، من حاضر ، فيغدو تجسيد ما لم يكن في واقع امكانا ، يفسح للفكر صنعة تاريخ لم يكن ، فيتم تقديمه ، وكأنه يعاد الى تجسيده في حاضر ، وبذلك يتواصل الماضي بالحاضر في عملية تاريخية يعاد بها اكتشاف الهوية . وهذا الخط من الحاضر الى الماضي ، الى اعادة اكتشاف الهوية في الواقع ، يدفع بالعنصرية دوما الى دلق ذاتها في أفعالها وفي كلماتها ، في فن من الجنون عاصف ، تسعى به الى تأكيد ذاتها ، فلا ترى عين سوى كراهية وأحقادا ودماء تملأ الواقع صراعا داميا . فهي هوية ناقصة ومتعصبة ومنغلقة على اعتقادها ، وبها قدرة وامكانات تبعث بها حسا مستأسدا ، يوقر في مدركاتها ، بأنها بتبعيتها لأقوى قوة في التاريخ ، وبمماثلة مصلحتها مع مصلحة هذه القوة ، يمكنها اغتنام فرصتها التاريخية في الاستفادة من الخلل في موازين القوة في هذه المنطقة ، فلربما تصل الى ما تريد . فنجدها بدعايتها ، وبتحريك قوتها دائمة الدمج لمصلحتها بمصلحة القوة الكبرى التابعة لها ، ومصورة دوما ما تفعله في نطاق الصراع بأنه الخدمة التي يقدمها التابع الى من هو تابع له ، وبما أن عقلية القوة الكبرى تريد هذه الخدمة وتنتظرها ، فان هذه القوة تسعى الى ارغام التابعين لها من العرب ، على أن يتبنوا المواقف السياسية التي تخدم القوة التي تحرسهم ، وتضمن لهم الاستمرار في كراسيهم . وبذلك تقتدر الحركة العنصرية على تحريك وسائل تملكها ، وأخرى غيرها تحركها وكأنها مملوكة لها ، في حركة سياسية توافق نشاط قوة عنيفة ، تحركها في قهر يندلق بما به من نار التعصب على أصحاب حق أبرياء ، لا يجدون مبررا لقوة كبرى أن توافق وتدعم وتحرض عنصريين متعصبين على السيطرة على أراضيهم ، ولا على وضعهم داخل أسوار ، ولا على زجهم بالسجون ، ولا على الاغتيالات المستمرة لشبابهم ، ولا على تجربف مزارعهم وهدم بيوتهم فوق رؤوسهم تارة ، وأخرى تارة أمام عيونهم ، ولا على اطلاق النار عليهم حين يتظاهرون بغضبهم لحقوقهم ، ولمقدساتهم .. فهم لا يبررون القهر الذي ينزل بهم ، ولا يجدون سببا يدعوهم الى صمت يلوذون به ، ذلك بأن صمتا كهذا يعني انسحابهم من أمام العنصرية ، لتستمر في جنونها في رسم ضياع تام لهم ، فيضيع الحاضر بين أيديهم ، ولا يجدون مستقبلا في انتظارهم ، انهم أصحاب الأرض وتاريخ الأرض هو تاريخهم ، ولا يمكنهم أن يخرجوا من تاريخهم الى تاريخ يصنعه لهم غيرهم ، لقد اعتادوا صناعة تاريخهم بأيدهم ، وبهم صبر يفوق ما يتصوره الذين يمارسون القهر عليهم . ولا يمكنه القهر بكل ما تشحنه العنصرية من عنف أن يكسر ارادتهم ، فقد طفح تاريخهم الماضي بالصبر والمعاناة ، وبقوا على آمالهم وأحلامهم ، ولم يفارقهم فجرهم القادم عبر تاريخهم أبدا ، فحتى حين ضاقت الأرض بهم ، وبدا نهارهم خلوا من نور يرونه بأعينهم ، عرفوا بعمق هويتهم في وجدانهم وفي وفكرهم كيف يستنبتوا فجرهم القادم بوعيهم ، فاستنبتوه واستخرجوه بارادتهم من واقعهم المرير ، وغسلوا بصبرهم وعنادهم وصلابتهم نهارهم من كل ظلام ، واستراحوا من عصف قهر كان يجعل نهارهم أسودا ، فهكذا كانوا وهكذا لا بد يكونون . ولهذا فانهم مع لجوئهم الى تاريخهم للدلالة به على الحاضر ، وعلى مقدرتهم الكامنة فيهم التي يرون بها اتجاه تحولية تتشكل لهم في وعيهم ، وتفصح لهم عن ماهيتها وعن آلياتها ، وعن مطلوبها ، وتلح فهي التي بقرارة نفوسهم هي التي بها يمكنهم أن يبدلوا بها في ظروفهم ، فيحيلونها على الحال الذي يريدون ، فانهم بهذا النزوع بوجه دلالة على أنهم الذين لا يفارقهم فهمهم بأن استيعابهم لدروس التاريخ ومعرفتهم بوقائعه واستدرار الحكمة منها وحده من دون ارادتهم الفاعلة ، لا يبدل في واقعهم ، ولا استشراف المستقبل على مستوى الفكر واشباعه بالآمال يكفي لاجراء تحولات حقيقية في ظروفهم ، فالقهر ينبش في لحومهم ، ويشق نفوسهم ويدميها ، ولا تتوقف شراسة العنصريين الذين لا تسقط آمالهم من يد أفعالهم . وهم في ظروفهم الكالحة التي تعصف بهم بكل جور وقهر ، لم ينزل لهم من وعيهم ، بأنهم لسان الهوية العربية والاسلامية ، وبأن عليهم أن يكونوا حقيقتها بما تملية من رفض للمساس بها وبكل عزيمة واصرار على ترسيخها في الفعل والقول ، ولأنهم هم كذلك صيرورة الهوية في وجودهم ، فبهم حس عميق بأنهم وحدهم في الخندق المتقدم للدفاع عن الهوية العربية والاسلامية ، فأين هم الأحبة ، أين هم الذين كانوا دوما معا يحترفون صناعة التاريخ ، أين هم العرب ، أين أنتم أيها المسلمون ، سؤال الحياة المأمولة بأن يحيونونها ، فتنبسط بآفاقها لهم فيعمرونها بكل ما يضيف اليها تقدما ، فأين هي في غير المخيال ، وكيف بغير القدرة وتعزيزها الدائم يمكنهم أن يستخرجونها فتغدو حقيقة قائمة بالفعل ، وأين هو دور الانتماء في تشكيل القدرة وتحريكها في مساندتهم ، فالقضية قضية أمة بحالها ، فكيف حال القضية وأين الأمة صاحبة القضية ، ومتى يكون اندراجها في السباق معهم في مجرى عملية تاريخية تنفي القهر من مقدرته على أن يعرف للوجود وجها ، فكيف ومتى ، سؤال ، أسئلة ، داوية في فضاء الوعي ، وعلى أكف الدموع والآلام ، محلقة بالفكر المتساءل المتعجب ، فصدى معاناتهم فيما بدا ويبدو ، لا يتجاوز فيما يصل الى آذانهم غير ملفوظات لا تضيف في قدرة تحرر شبرا من أرض أو تقيل قهرا ، تمارسه عنصرية لم تعرف هذه المنطقة مثيلا لها في التاريخ ، تقف الى جانبها كل الكراهية لأمة العرب والاسلام ، مجسدة في قوى كبرى ، لا تقدر على كسر شوكتها أية دولة في العالم ، وهذه القوى أفرغت أكثر من نظام عربي من الجرأة على حركة فاعلة تعترض طريق هذه العنصرية ، فحال العرب كقطيع هاجمته الذئاب . ، فلا ترى قطيعا ، وانما أرواحا هائمة ، قد دب الهلع في فرائصها .. تفر في كل اتجاه باحثة عن النجاة من أن تكون مأكولة . وتلك الساحات ناطقة بأن لا أحد سوى هؤلاء الذين يطوفون بعيونهم في كل شبر من أرض ، وفي كل ذرة من آثار دالة على حكاية وجود عمره بعمر الزمان ، فهنا كنا ، وهنا شربنا وأكلنا ، هنا كانت ملاعب طفولتنا ، وهنا كان البيدر ، وهنا قرأنا ملحمة ابي زيد الهلالي ، هنا كانت الربابة ، تلاشي كل شيء بقهر ، وأصبح على رفوف الدمعة والذكرى والاصرار على أن تعود حكاية الوجود سيرتها الأولى ، ولم يعد ممكنا لامكان يريد أن يكون الا أن يبحث في عمق الامكان عن استنبات القدرة ، واستنهاض المقدرة على النهوض والتشكل ، على ما يقول به الأمل في عمق القناعات الهائمة على ضفاف المتى والكيف واللابد ، فلسنا نحن ، ان لم نكن أنفسنا ، وكما تتبدى هذه في أعماق ايماننا ، بأننا الذين نقيل الرواسي من اماكنها اذا ما عزمنا على ذلك ، فليس سواها ارادة الزحزحة للقهر بعيدا عن المقهور ، وليس لك يا ابن فلسطين سوى أنت ، لتعود الى ما أنت ، فتكون أنت كما كنت مفصلا في مفرق حضارة لا تتشكل بلاك أنت ، فلا تنتظر أحدا من غير أهل الارادة التي تتواثب على آمالها في الحرية ، فلا أحد من غير أهل الأنفة والاباء الذين تعاف نفوسهم القهر والعصف ، وتهجم بما ملكت شجاعة على مكامن الشر ، تقيلها من امكان أن تفكر في العدوان على الحقيقة والفضيلة . ويا لغدر الزمان ، كيف استحال التيه في مجرى الزمان والجهل والهوان حواجز بين الهوية واملاءاتها وبين الاسلوب الضروري للاستواء على الآمال ، كيف استغنى عن عليائه نبات شب في العلياء ، استراح الضعف على الضعف فاستنبت الضعف ، فأراح الضعف أكنافه على أركان قيود تفيض بالاستنقاع في البلادة ، فكان العجز نتاجا يراقص أمة بحالها ، فهي مقهورة بقهر يعدم قدرتها على الفعل ، فترى الى الرصاص يتسابق الى صدور الأحرار من أبناء فلسطين ، ولا ترى قدرة في رحاب الوطن الكبير قادرة على الردع ، فتعضد وتساند وتقدر في مرحلة من نشاطها ، أن تسقط العدوان على الارادة الحرة الأبية التي لا تقيم لغير هويتها التي تبرق في أرجائها ، بكل دفق الاصرار على التحدي للقهر الذي لا تكف أنيابه تنهش في عظامها ولحمها ، وفي حاضرها ومستقبلها ، فيا ويح أمة مسجونة بجهلها بقدرتها ، بدورها ، بحقها في أن تتبوأ مكانتها التي تليق بها ، يا ويحها فليس بها غير الدموع وملفوظات من نثر وشعر من مساندة وتعاضد كلامي ، ولهفة على الفعل الذي تغيم دروبه ، فلا تراه العين ، ولا يدانيه الفكر ، بغير انسراحه بكل تأمل في حقيقته ، فليس في الواقع العملي ما يدلل على غير ارادة تشهر افلاسها ، فليس لديها غير أن تدمع وترفع يديها الى أعلى راجية القدرة تتنزل سندا ، بينما هي غافلة عن مطلوب ارادتها ، وعن طاقتها العقلية التي تستطيع بها أن تحرف التاريخ عن مساره . فكل مقهور ، فالقهر يجوب جغرافية عربية اسلامية بحالها ، فشركات توزيع القهر لا تدع مكانا الا وتدوسه بسلب ومقت توزعه ، ولا تترك نفسا الا وتطأها بغم وهم وقلق ، فلا أحد الا وفي أحواله من الأثقال ما يكقي ليطوي له الآمال والأحلام على حافة دمعة تتحدر من أعماق حسرته على نفسه وعلى أمته ، فما من أمل نهضوي الا وتلامسه حسرات تشوي منه الكبد . وهنا في بلاد هي مفرق التاريخ ، ملتقى شمال الوطن العربي مع جنوبه ، في هذا المفرق حطت آليات التفريق والتفكيك والتمزيق لأمة بحالها ، فهنا أقدام التآمر على المصير ، وهنا المراد بأن لا تصير أمة العرب الى ما تريد اليه أن تصير ، فهنا القهر كله ، وهنا الحقد كله ، فهنا ليس كما هناك ، فهنا جهنم تهجم على النخيل والزيتون والأزهار والعطور ، وهنا جذوة الحرية تأبى الا أن تظل تتوقد بكل وهج الخلود العازم على ايقاظ أمة بحالها ، هنا التلاقي في عمق الوعي بوقد يتوهج اصرارا على ميلاد آخر .. آت من عمق العزم على قهر القهر ، بكل متاح من أمل ، لم يزل يعلو من ابتسامة على شفاه طفل من أبناء فلسطين ، فهنا في ساحات المواجهة للقهر وأدواته ، تنتصب ارادة الذين يعيدون رسم سير التاريخ ، وهم يدفنون أحياء تحت أنقاض منازلهم ، فهم يعلمون في قرارة وديعة أودعها تاريخهم في أعماقهم ، بأنهم بأشلائهم سوف يتناهون بالقهر الى حال يغدو فيه مقهورا بقهره ، فلا مفر ، فتلك صيرورة الاصرار على استنبات زوال القهر تجمعهم على أن يكون تصديهم فاعلا ، يقيم أركان زوال لقهر يمارس على جلودهم ليلهم ونهارهم ، فهم بصبرهم على صبرهم ، على عذاب يتصبب نيرانا على مصيرهم ، في بيوتهم ، وفي شوارعهم ، وفي أجوائهم ، انما يكتبون ايقاظا لوعي أمة بحالها ، انهم وحدهم يتعذبون بعنصرية ، هي بحكم تكوينها العقائدي فارغة من كل حس بالآخر ، فلا أبشع منها تعصبا ، ولا عقلية أشد منها انغلاقا ، فالعنصريون يمارسون القهر وعقلهم مغلق بما يبرر لهم ممارسة العنف ، بلا أي حس بأنهم يقمعون ويظلمون ، ويطغون ، بل الطغيان يبعث فيهم احساسا بالقيمة ، وتأكيد الذات ، ونشوة بالتفوق ، وبمقدار شعورهم بالنقص يعنفون ، ويمقدار ما استصغرهم غيرهم يعربدون ، فالعنف أداة تعويضية بأيديهم يمارسونها ، وكأنهم بها يدفعون عن مشاعرهم الاحساس بفقدان الأمن . وقد يبلغ فقدان احساسهم بالآخر درجة عدم الانتباه ، بأن هذا الذي يعذبونه ويريدون أن يقهروه ، انما هو من البشر فينكرون عليه أناته ، وصيحاته في أثناء توجعه ، وشروحاته لما يلم به من عصف وجور ، فهو برأيهم المحرض عليهم ، وهو الذي يقاومهم ، ويشكل بمقاومته خطرا عليهم ، فهو من يبعث فيهم رهبة منه ، فهو الارهابي الذي يتصيدهم ، فلا مفر من تصيده قبل أن يصطادهم ، متجاهلين بأن من طبيعة الانسان أن يرفض ما ينزل به من عذاب ، ويرفض ويقاوم كل انتقاص لحقوقه وينزع الى صد كل عدوان عليه .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل