المحتوى الرئيسى

غرباء في بيوتهم بقلم:د. خالـد الخاجـة

02/09 00:13

أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض.. ترنو إليهم أعيننا وتحنو عليهم قلوبنا ونشفق عليهم في كل الأحوال. فقد نشأوا في بيئة جديدة وعالم جديد نسعد بقدراتهم التي تعلو على قدرات الكثير منا في استخدام أدوات التكنولوجيا. فعند انتشار التليفزيون سمعنا ما يقال عن «جيل التليفزيون». هذا الجيل الذي استمد الكثير من الأنماط السلوكية عبر الدراما التليفزيونية التي اقتحمت كل بيت وتعاظم دورها في التربية والتوجيه إلى جانب الأب والأم وتعاظم دورها كثيرا حين غاب أو ضعف دورهما لأسباب متعددة ورغم ذلك كان من الممكن متابعة ما يتم مشاهدته ومراقبته والتحكم فيه وإجراء مناقشة عما تم مشاهدته خاصة أن نمط المشاهدة إلى وقت قريب كان يغلب عليه الجماعية. إلا أن دوام الحال من المحال فقد زحفت علينا التكنولوجيا كل يوم بأشكالها الجديدة التي توغلت في الفردية سواء في مخاطبة الأفراد أو في تلبية رغباتهم واحتياجاتهم. ورغم سعادتنا بقدرات أبنائنا على التعامل مع تكنولوجيا العصر بأدواتها المختلفة إلا أنها سعادة يشوبها الكثير من الخوف والقلق في وقت معا فكما لها إيجابيات متمثلة في توسيع مداركهم والارتقاء بمهاراتهم الذهنية والعصبية وقدراتهم على التواصل مع غيرهم وإنجاز الكثير من أعمالهم بشكل أسرع وأسهل إلا أن لها سلبيات. ونستطيع أن نقول بدون تردد أن هذا الجيل الصاعد هو جيل تكنولوجي في تفكيره القائم على السرعة في اتخاذ القرار - وهو تكنولوجي في ما يمارسه من ألعاب تعتمد في جانبها الأعظم على استخدام حاسة أو حاستين من الوضع جالسا معطلا باقي الحواس ـ جيل تكنولوجي في البيئة التي يتحرك فيها مابين غرف الكمبيوتر وصالات الألعاب الالكترونية والأجهزة الذكية والهاتف وكلها تؤصل حالة من الفردية في التعامل معها والفردية في استخدامها - وتكنولوجي في تطلعاته وطموحاته والسرعة التي يريد أن يحقق بها أهدافه حتى لو كانت افتراضية بعيدة عن قيامه بتقديم الأسباب الداعمة لذلك، والحقيقة هي أن أطفال الانترنت حظوظهم على قدر ضخامة ما يملكونه في أيديهم ليس بأفضل من أجيال خلت كانت أدواتهم بسيطة لكنهم كانوا بها أسعد. وهذا ما يجب أن يستوقفنا جميعا لأن تكنولوجيا الاتصال كما لها جوانب مشرقة وتأثيرات إيجابية فإن لها جوانب سلبية غير مرغوبة تبدأ من بيئة الطفل الأولى وهو رحم أمه، حيث أشارت دراسات أن السيدات الحوامل اللائي يجلسن أمام شاشة الكمبيوتر لساعات طويلة يكون له تأثير ضار ينتج عن الإشعاع منخفض التردد مما يعرضهن أكثر من غيرهن للإجهاض الذي يزيد بزيادة عدد ساعات التعامل مع الكمبيوتر إضافة إلى احتمال خروج الأجنة مصابة بتشوهات متعددة مثل ثقوب القلب. كما أن الإفراط في تعامل الأطفال - وخاصة دون سن التاسعة - مع الانترنت بشكل مفرط والذين مازالت أدمغتهم وقدراتهم العقلية في مرحلة النمو يعود بالسلب على تحصيلهم الدراسي وتعرضهم إلى الإصابة بأمراض مثل التوتر العصبي والقلق النفسي مع عجز عن إقامة علاقات اجتماعية مع نظرائهم بشكل مباشر يعتمد على الاتصال المواجهي المباشر وهو من أقوى الأشكال التي تصنع الشخصية الحقيقية التي لا تتخفى وراء وسيلة أو تفتقد المهارات اللازمة للاتصال والتي هي أساس تقوية النسيج بين أبناء المجتمع الواحد بل بين أفراد الأسرة الواحدة التي ينعزل كل واحد منهم منكبا على شاشة صغيرة ومجموعة أزارا يصنع لنفسه واقعا افتراضيا يخاطب أناسا لا يعرف عنهم غير صورة أو مجموعة كلمات يكتبونها أو أنه اكتفى بالفيسبوك بدلا من الناس بوك. كما أن الإطلاع على مضامين أكبر من قدراتهم الذهنية وإذا كانت تحمل جوانب هامة في إكسابهم معلومات جديدة إلا أن خطورتها تأتي كمن يريد لطفل أن يمشى وهو لم يتعد شهره السادس ناهيك عن مشاهدته لصور العري في بعض المواقع المنافية والتي تؤثر على صورة الأنثى في مخيلة الطفل كرمز جنسي بدلا من كائن يحترمه أو مشاهدة بعض المواقع الداعية إلى الشطط الفكري. فضلا على أن الوسيلة المثلى لكي يتعلم الطفل ويكون خبراته عن الحياة والبيئة من حوله في السنوات الأولى من عمره يكون عبر الوالدين والمدرسة أما ترك الطفل يتلقى الجانب الأعظم من معلوماته من الانترنت بحلوها ومرها ما يناسبه وما لا يناسبه يجعل إدراكه وتواصله مع الانترنت يفوق تواصله مع الوالدين والناس من حوله وما يحدثه هذا من تحوله من واقع حقيقي إلى التعامل مع واقع مختلف بدلا من التعامل مع أناس حقيقيين بلحمهم ودمهم إلى التعامل مع واقع افتراضي. وهناك بعض الأطفال يؤجلون حتى تناول طعامهم أو الاستجابة لوالديهم وهم يحدثونهم مكتفين بإجراء المحادثة مع غيرهم عبر الانترنت ويتأصل هذا السلوك لديهم ويصبح مكونا أساسيا من مكون شخصياتهم حتى عند بلوغهم سن الشباب يصبح أبناؤنا غرباء وهم في بيوتهم وبين أسرهم والغربة النفسية تفوق في تداعياتها وآثارها الغربة الجسدية. إنني بهذا لا أدعو إلى ردة تكنولوجية ولا أريد للجيل الذي ولد في زمان غير زماننا أن يعيش كما كنا نعيش وان يفكر بعقولنا نحن أو أن يلهو كما كنا نلهو فهم أبناء بيئتهم وزمانهم لكن لا يعني ذلك أن نقف موقف المتفرجين نرقب ما هم فيه دون أن يكون لنا دور في تعظيم الجوانب الإيجابية لما في أيديهم وتجنب السلبيات التي قد يتعرضون لها في ظل تعدد المنافذ والبدائل، إنما يكون تعامل الأطفال مع التكنولوجيا بكافة أشكالها بإشراف وتوجيه أسري إضافة إلى دور المدرسة يحدد لهم ما يفيدهم وما يضرهم وكيف يتم التعامل معه من خلال الاقتراب أكثر من أبنائنا نعيد الحوار الذي انقطع ليحدثونا هم عما يشاهدوه ونناقشهم في قيمته ساعين لفتح آفاق جديدة لهم من ممارسة الرياضة وتشجيع القراءة إضافة إلى غرس القيم التي تعزز ثقافتنا وقيمنا - فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر - بدلا من تركهم فريسة للمربيات تارة وللوسائل التكنولوجية تارة أخرى ليقوموا بأدوار عجزنا نحن أو تقاعسنا عن القيام بها وحتى لا يكون أبناؤنا غرباء في بيوتهم. د. خالـــــد الخاجـــــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل