المحتوى الرئيسى

رسالة ابن أسير بقلم:روان أبوعرقوب

02/08 13:27

رسالة ابن أسير أبي العزيز ها هو المساء قادم و سماء القدس تتوشح بالسواد, لتضع كحلها المميز ,تتزين بالمصابيح و تبرق وتتلألأ , أينما تبصرها عيني تراها عروساً , أبتسم أمامها وأعلم جرحها , لحظات و أغدوا شارد الذهن , يحزنني يتمها وبؤس حال أهلها , يدمي القلب تشتتها و يغيب العقل تبعثر تاريخها , وأنا هنا منذ غيابك حارساً لها . عامان يا أبي وأنا ألتحف ليلها وأستنير بنجومها لأكتب لك رساتلي هذه , عامان يا أبي وأنا أنام على وقع خطى الجند وعلى نباح كلابهم المسعورة لتغطي على آهات القدس وتخفي أنفاسها لكي لا تسمع, عامان يا أبي و أنا معتكف بزاوية باب العامود , أبيع الصحف العربية صباحاً وأفرشها ليلاً وأتوسد ذراعي كل مساء أنشد قصيدة المساء .. "وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر .. " وأذكر ترانيم عود جدي . ما أقساه من ليل يا أبي, البرد يهاجم عظامي الصغيرة , والمطر يبلل الأوراق والصحف فلا أملك سقفاً يحمي ما أملك , لا أدري أهي دموعي أم قطرات المطر تداعب جفني حين أفتح لك قلبي وأكتب , لا عليك إنه المطر والقدس العتيقة سيدة المطر تتبلل جدائلها الذهبية وأختلس النظر لها تحت ضوء القمر ,عيون القطط تَلمحني وتذهب , أخشاها جاسوسة ً فأتوقف وأعود لفراشي أشعل موقد جدي وأستمتع بحرق الصحف العبرية . أبي العزيز ,ما عادت تصلني رسائلك كالعادة .!! أمنعوك الكلام ..؟؟ أم شددوا النظام ..؟! سأضع صور العائلة أمامي الليلة صورة أمي وأخوتي و جدي العاجز وجدتي المتوفاة , لأقرأ لهم رسالتك التي وصلت منذ عام : " إلى روح أمي المحلقة فوق الغيم ترافقني , إلى عيون أبي التعبة وهي تتأملني في وجه السماء, الى زوجتي رفيقة الروح والدرب , إلى أفلاذ كبدي , كيف أنتم ..!؟! , أعلم بأن للحياة طعم آخر بغيابي, وأدري أنكم ترسلون السلام مع كل طير مهاجر , أعلم حبكم و أدرك انشغالكم , لكن لا تقلقوا .. أنا بخير .. !؟! , أصبح وأمسي وأمامي تلك القضبان الحديدية , لكني أرى الجنة من هنا فالجهاد طريق لرضا الله , رغم رائحة الجدران العفنة فما زلت أذكر عطر ياسمين وطني , القمر ونيس ٌ و صوت مطرقة السجان , أحدث الرفاق عنكم و أكتب مذكراتي على الجدران , تضيق بي الزنزانة فألقي نظرة إلى الفضاء أذكركم فأضحك في وجه السماء , من قال أن الليل لا ينجلي ؟؟ كلما اشتد سوادا ً زادني أملاً فالصبح قادم بعد كل هذا لا محال , والأرض مهما ضاقت فوطني فسحة للخيَال , أحبتي بيني وبينك المسافات والسجان حرمني أوراقي والقلم وهواء الوطن , لكنكم أقرب لقلبي من ضلوعي , ولا تظنوا أن المحارب يهزم بأسره , بل زاده شرفاً له ولأهله , كونوا مطمئنين وعلى الوعد محافظين , أحبكم ولنا لقاء قريب " . تهتز الصور بكلماتك , ترتجف يداي وأنا أقرأ ولم تتردد الدموع لتدفئ وجنتاي المتصلبتان من شدة الصقيع , أكتبتها لتضمد جرحا ً أصابنا منذ غبت ؟ وفي الحقيقة أنت تعاني , أحقاً أنت بخير يا أبي ؟؟ أجلدوك بأسياخ حديدية ؟ أم كنت فريسة الأسلاك الكهربائية ؟ , أنهشتك كلابهم الوحشية ؟؟ . ما أحوجني ليديك الملتهبتين لتضمني إلى صدرك , ما أحوجنا لصدى صوتك يبعثر الحزن فينا فيرسم بسمة , ما أصعبها من أيام يا أبي تمضي بدونك فتقلبني أمواجها فتنهكني , أتراني كهلاً في الخامسة عشرة من عمري , لا أملك ألعاباً ولا أحلاماً ,و في جعبتي صور أهلي و الوطن وصوراً لغدٍ مشرق يختفي فيه السجن و أراك نسراً محلقاً من جديد , ولا زلت أذكر قول جدي (إن هذا اليوم ليس ببعيد ) . لا تقلق يا أبي , سأكون كما رسمتني في مخيلتك , وأحمل مسؤولية أهلي ولن أنسى حب الوطن , سأجعل التاريخ ينادي بك ويقول : " هذا الشبل من ذاك الأسد " , سأحرس القدس ها هنا وأرفض الرحيل , فلن يمنعوا الحمام من الهديل . عذراً أبي سأكتفي اليوم بما كتبته, السماء غضبى هذه الليلة تتضارب فيها الغيوم ويخيفني برقها و المطر , سأحمي في صدري الصور و أحتمي تحت الشجر ,وكن على يقين بأن لنا لقاء منتظر . أحبك أبي ابنك المشتاق .. كتبها روان أبوعرقوب

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل