المحتوى الرئيسى

كي لا تصبح "البلطجة" حاكماً بقلم:عزيز العصا

02/08 12:19

بسم الله الرحمن الرحيم كي لا تصبح "البلطجة" حاكماً عزيز العصا aziz.alassa@yahoo.com لا يمكن لصاحب بصرٍ وبصيرةٍ، من أبناء الأمة، إلا وأن يتوقف مطولاً أمام المشهد المصري.. فالصور، المرئية والمسموعة، التي تتناقلها وسائل الإعلام لا تسر صديقاً منتمياً لمصر الكنانة الحرة الأبية، ولا تغيظ عدواً يتربص بها كلما أشرقت الشمس وغربت.. ولعل مصدر الضبابية هذا مرتبط بالاختلاط الغريب، والتناقض الواضح داخل الصف الواحد لجميع مكونات المعادلة السياسية والاجتماعية والأمنية في مصر، لحد عدم وضوح الرؤية. حتى أن هناك من يسعى إلى تحويل الملايين المحتشدة في ميادين مصر وشوارعها وأزقتها إلى مجرد "كومبارس" يرافق "فيلم!!" انتقال السلطة. وإذا ما علمنا بأنه ليس من حق الكومبارس أن يسأل المخرج أو الممثلين عما يجري من أحداث، عندئذٍ ندرك أن دور هذه الجماهير، من وجهة نظر الانتهازيين والوصوليين، ينحصر في تلقي الضربات، والموت لأسباب مختلفة والطحن من قبل الشاحنات، وكل ذلك أمام الكاميرا والمصورين الذين يلتقطون لهم الصور التي تخدم الفيلم.. إلا أن هذه التوجهات سوف تتحطم على صخرة يقظة هذه الجماهير، فرادى ومجتمعين، وفهمها الدقيق لطبيعة المرحلة. أما التناقضات التي تعيشها المنظومة المرتبطة بالقصر فهي متعددة، منها: • الأجهزة التنفيذية، التي تشكل الذراع الضاربة لأي نظام شمولي، غير ديمقراطي، كانت متناقضة في تعاملها مع الأحداث. ففي حين أن الشرطة والأمن المركزي كانت تُجَرِّم كل من ينزل إلى الشارع محتجاً، حتى لو بأضعف الإيمان، كان الجيش الذي تعودنا عبر التاريخ أن نراه حامي القصر وما بداخله، يقف مع الشعب ويكتفي بعرض أسلحته الثقيلة تتوسط الجماهير الغاضبة وطائراته تستعرض فوق رؤوس المتظاهرين.. صحيح أن هذه الأسلحة لم تشعل النيران فوق رؤوس تلك الجماهير، إلا أنها لم تطفئ النيران التي تبادلها أبناء الشعب الواحد والتي تكاد، في حال استمرارها، أن تهلك الحرث والنسل. • هناك خطورة واضحة-فاضحة، وهي ما يتعلق بإمكانية وصول أيدي العبثيين و"أفراد البلطجة المنظمة" إلى الزي الرسمي للجيش المصري.. وعندئذٍ، لا سمح الله، ستحل الكارثة الحقيقية على مصر وأهلها الآمنين.. إذ أن "البلطجية" الذي مارسوا "الزعرنة" في شوارع مصر سيتحولون في هذه الحالة إلى ما سيطلق عليه حينئذٍ أعداء أم الدنيا بـِ "جيش البلطجية" أو "بلطجية الجيش".. وبهذا سَتُنثَر أوراق جيش مصر وسمعته وهيبته ومكانته على أشواك من يخططون لتفتيت مصر وإخراجها من معادلات الصراع في المنطقة،. • لم يكن للقصر، ومن يرتبط به من قيادات وكوادر الحزب الحاكم لغة واحدة موحدة، تنم عن الالتفاف حول ثوابت يدافعون عنها بالغالي والنفيس الذي جمعوه عبر العقود الماضية. بل أن العكس تماماً هو الذي حصل عندما سارع الوزراء والمسؤولون إلى مغادرة البلد فوراً، وهم يحملون ما غلى سعره وخف ثقله. ولعل ما قام به النائب العام المصري من منع لعدد كبير منهم من تنفيذ ما نووا على فعله، على رأسهم وزير الداخلية وأمين التنظيم في الحزب الحاكم (القدس العربي، 3/شباط/2011م)، مؤشر على أن منظومة الحكم واهنة وضعيفة وتفتقر إلى من يشكل رمزية في حمل هموم الوطن والاستعداد للدفاع عنه وحمايته من عوادي الزمن، وأن مكونات هذا النظام غير موحدة في الرؤى والأهداف الوطنية. أما على الجهة المقابلة، ولا أقول الخندق المضاد، فإن الأمر ليس أفضل حالاً إلا في الشعارات التي لا تزال تتردد كما هي منذ اليوم الأول. فهم مخترقون حتى النخاع، ولعل مبررات ذلك تكمن فيما يلي: 1) لم ينظم المحتجون صفوفهم منذ اللحظة الأولى بحيث يوحدون المواقف كما لو كانوا بمرجعية واحدة، تشير عليهم بالبنان وتخطط لمستقبل واعد للأجيال القادمة. 2) اختلاف الأجندات لدى المطالبين بالتغيير، فهناك من الأفراد والأحزاب والقوى والمنظمات من يريد للرئيس مبارك أن يرحل ليحل هو محله؛ أي لنصبح مع قائدٍ أوحد جديدٍ؛ ونترك الأجيال القادمة تعاني الأمرَّيْن في التعاطي معه.. وهناك المواطن البسيط، الذي اكتوى بنيران النظام، والذي سيعود لممارسة حياته الطبيعية بمجرد أن يسمع أن الظلم قد ارتفع عن العباد. 3) التدخل، المباشر وغير المباشر، من قبل القوى الأجنبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أعلنت عن تأييدها التام للمحتجين وأقامت ما يشبه غرفة عمليات طوارئ لمراقبة ما يجري في مصر، وإصرارها "الشديد" على رحيل حليف الأمس وانتقال السلطة إلى واحدٍ من اثنين، لا ثالث لهما: البرادعي الذي تتواصل معه السفيرة الأمريكية في القاهرة أو عمر سليمان الذي عين مؤخراً كنائبٍ للرئيس. 4) أمام هذا الوضع وجدت القوى والأحزاب الوطنية المصرية نفسها في خندق الولايات المتحدة التي ينظرون إليها بعين الريبة، لدورها في تقوية شوكة النظام عبر العقود الماضية.. والذين رأوا في النظام حليفاً استراتيجياً لمن احتل العراق واستباح أفغانستان. مما اضطر تلك الأحزاب إلى مراجعة حساباتها لكي لا تنزلق نحو تقديم تنازلات سياسية مؤلمة. 5) شعور قادة المعارضة بخطورة الموقف على المستوى الوطني، فهم يرفضون أن يعاث فساداً بالبلد.. ولا أعتقد أن عاقلاً بالغاً من أبناء مصر وأحرار الأمة لم يراجع حساباته عندما رأى النيران تشتعل في بعض المحلات التجارية والمؤسسات منذ اليوم الأول. وهذه النيران بفعل فاعلين من المتآمرين، ليس على مستقبل الأجيال القادمة فحسب، بل من الساعين إلى حرق تاريخ مصر الناصع في خدمة العرب والمسلمين والبشرية جمعاء. فهناك من حاول التوجه الغوغائي لحرق المتحف الذي يضم تراث مصر، وتاريخ مصر، وعظمة مصر، وشموخ مصر، ويوثق لتضحيات أبناء الكنانة عبر التاريخ.. فهل من يمس بهذا الصرح الحضاري، أو بغيره، يمكن أن يكون مصرياً وطنياً ابن مصري و/أو مصرية.. وهل يمكن تنسيبه للعروبة التي تزهو بأبنائها أو للإسلام دين العدالة السماوية أو للمسيحية ديانة المحبة والتسامح؟! 6) أما حال أبناء مصر الذين نزلوا إلى الشوارع ليقولوا كلمة حق في وجه من جار عليهم وظلمهم واستهتر بعقولهم وعبث بتاريخ آبائهم وأجدادهم... الخ، فإنه لم يعد مريحاً بسبب الوضع الذي فوجئوا به، فبعد أن تمكنوا من الصمود في وجه الشرطة والأمن المركزي، وكشف التزوير بإسمهم عند الاعتداء على حريات الناس وممتلكاتهم، وجدوا أنفسهم في مواجهة "بلطجية" مأجورين، أما أجرتهم هذه فهي من قوت أبناء مصر الغلابى الذين يتضورون جوعاً منذ عشرات السنين. النتائج والاستنتاجات: لا شك في أن الصور الموصوفة أعلاه تجعل المراقب بحاجة إلى قراءة ما وراء الأكمة، وتحديد مواصفات وخصائص الماكينات التي تدير دفة الوضع المصري وتداعياته المختلفة، وتلك التي ستمسك بمقود مصر بعد مبارك مباشرة.. لأن الذي يمسك بالمقود هو القادر على السير بمصر إلى حيث يريد. وأن أهم النتائج التي يمكن التوصل إليها تتلخص فيما يلي: أولاً: هناك حرص شديد من الولايات المتحدة و"إسرائيل" على الإبقاء على مفاتيح القصر الرئاسي في مصر بأيديهما، بما يضمن استمراريته في خدمة المشروع الأمريكي في المنطقة الهادف إلى خدمة الأمن القومي الأمريكي، وهي الدولة العظمى التي تنشر جيوشها، من كل الأنواع، في المنطقة بهدف الحفاظ على أمن "إسرائيل" وتأمين حركة البضائع، وعلى رأسها النفط، عبر قناة السويس. هذه القناة التي لو استخدمت لخدمة الأمة لما نجح الأمريكان في احتلال العراق بهذه السرعة ولي ذراعه كقوة إقليمية مهابة الجانب. ثانياً: رغم التحالف الاستراتيجي الذي أقامه نظام حسني مبارك مع أمريكا، إلا أنها بدأت تفكر بجدية في استبداله بمن يخدم لفترة زمنية أطول من عجوزٍ انتهى "دوره!!". صحيحٌ أنه في السياسة؛ المصالح أهم من الأخلاق.. إلا أننا نجد أنفسنا أمام مشهد مذهل؛ فقد قدم النظام المصري لكل من أمريكا وإسرائيل خدمات يفترض أن يتعاملوا معه أفضل مما تعاملوا مع شاه إيران في السبعينيات من القرن الماضي.. ثالثاً: لعله من المفيد التوجه إلى حكام العرب والمسلمين، والعالم الثالث بشكلٍ عام، إلى الالتفات إلى أنفسهم بضرورة الالتصاق بشعوبهم وصرف وقتهم في الاستجابة لهمومه واحتياجاته، بما يحفظ كرامة الفرد وحريته في التعبير عن نفسه. لأن شعوبهم فقط هي التي تكرمهم وتحفظ لهم كرامتهم وكبرياءهم. أما الرسالة التي قرأناها مما قام به الجيش المصري فهي أن وظيفة الجيش الوطني حماية البلاد والعباد من أي عدوان خارجي، وليس قمعهم وكبت حريتهم. رابعاً: استخدام صيغ شيطانية في قمع الجماهير. إذ لا يخفَ على أحد أن "البلطجية" الذين استباحوا حياة الناس في الميادين والشوارع والأزقة والحارات كانوا على صلة مباشرة مع النظام. وأنهم خدموا النظام في بعدين رئيسيين: أما البعد الأول فهو أن أفعالهم كادت أن تشتت صفوف المحتجين وترهبهم، إلا أن إصرار الناس وجاهزيتهم للتضحية من أجل الوصول إلى أهدافهم قد أفشل هذه المحاولات. أما البعد الثاني فهو أن النظام نفسه عزز هذا المسمى "البلطجية" لاعتقاده أن هذه التسمية تعفيه من المسؤولية الأخلاقية أمام العالم وتعفي من اختفى خلفهم من المحاكمات الدولية أو الوطنية. بقي أن نقول لملايين المصريين الرافضين للظلم والطغيان: الرحمة لشهدائكم الذين قضوا على طريق الحرية.. بارك الله في سواعدكم المدافعة عن كرامة الأمة في مواجهة "البلطجية" ومن استخدمهم ومن موّلهم.. ولعل عزاءنا وعزاءكم في قول الشاعر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وأن نقول لمن تآمر على شعب مصر، وساوم على كرامة أبنائها، وسرق خيراتها، وبادر للهروب بما سرق: إن التاريخ لن يرحمكم.. لأن التاريخ لا يرحم من يُضعِف شعبه وأمته ويشتتهما ليجعل منهما لقمة مستساغة للأعداء.. العبيدية، 4/شباط/2011م

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل