المحتوى الرئيسى

أول الدروس قراءة النفوس

02/08 09:49

يقيناً، لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الاتجاهات الفعلية للرأى العام فى مصر، وكان لدينا اهتمام حقيقى بما يمكن أن تقدمه استطلاعات الرأى العام من معلومات تفيد صانعى السياسات ومتخذى القرارات، لكنا قد حققنا عديداً من الأهداف، واستطعنا تجنب كثير من الأزمات.. ولكنا أكثر قدرة على رؤية الواقع، وعلى التخطيط للمستقبل. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا التعرف على اتجاهات الناس الحقيقية نحو الحياة السياسية والاقتصادية فى مصر.. فعندما تشير نتائج بعض الاستطلاعات التى نشرت مؤخراً إلى أن 72% من الشعب راضون عن أداء الحكومة، فمن المنطقى أن تستمر الحكومة فى طريقها، وألا تشعر بمدى معاناة الناس.. استطلاعات الرأى العام الحقيقية تعمل فى الدول المتقدمة كأجهزة استشعار لمتخذى القرار، وكأداة أساسية لتقييم السياسات التى يتخذونها.. هى رد الفعل أو رجع الصدى الذى يتم فى ضوئه مراجعة كل شىء.. ومادامت القاعدة تقول إن الجمهور على حق دائماً، فكذلك يجب أن تعدل الحكومات سياساتها وفقاً لاتجاهات الجمهور، وتبعاً لمعدل رضائه عنها. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا رسم صورة دقيقة لما يجرى فى عقول الشباب من أفكار تتعلق بالمستقبل وما يجب أن يكون عليه.. لدى الكثيرين منا، معلومات وإحصائيات دقيقة عن عدد الشباب فى مصر، وعن بياناتهم الديموجرافية، وتوزيعاتهم الجغرافية، ومعدلات استهلاكهم للمنتجات العصرية وغير العصرية.. غير أنه لا توجد لدينا معلومات كافية عن طريقة تفكير الشباب، وعن كيفية رؤيتهم للواقع، وعن أحلامهم للمستقبل. لا توجد لدينا معلومات كافية عن «عالم الشباب الفكرى» بكل نماذجه، ونظرياته.. لا توجد لدينا معلومات مؤكدة للأسف عن «نصف عدد السكان فى مصر»!.. ولعل هذا هو ما كان يمكن أن تفعله مراكز الرأى العام الحقيقية. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا معالجة كثير من الأزمات المجتمعية، ووضع حلول وسيناريوهات لها، قبل أن نفاجئ بها، وقد وصلت إلى مستوى قد لا يمكن السيطرة عليه.. فعندما تصل إلى الحاكم تقارير تفيد بأن الجميع راضون عن سياساته، وأن هناك اتجاهاً إيجابياً دائماً نحوه، فمن الطبيعى أن تحدث المفاجأة لو تكشف له غير ذلك، ومن الطبيعى أن يستغرق رد الفعل كثيراً من الوقت نتيجة لذلك، ومن الطبيعى أن تكون القرارات دائماً متأخرة عن توقيتها المناسب، وغير فعالة فى بعض الأحيان..  فى الولايات المتحدة يوجد قياس رأى عام يومى لاتجاهات الناس نحو الرؤساء، ونحو الشخصيات البارزة، وهناك تقييم مستمر من الرأى العام لكل اللاعبين السياسيين، وهذا هو سر التيقظ الدائم لمتخذى القرار، والتركيز المستمر لديهم. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا إعداد الرسائل الإعلامية والثقافية المناسبة للجمهور، والقادرة على مخاطبة تطلعاته، والمتوافقة مع أمانيه، بدلاً من أن تصبح وسائل الإعلام والثقافة فى وادٍ، والناس فى وادٍ آخر.. مشهد وسائل الإعلام إزاء ثورة الشباب شبيهة بمشهدها إزاء نكسة 67..  نفس الأساليب التقليدية البالية فى معالجة الأزمات.. ونفس الخضة والصدمة بعد أن تكشفت أبعاد الأزمة.. لم يكن القائمون على وسائل الإعلام على دراية باتجاه الناس الحقيقى، ظنوا، وظننا معهم، أنها زوبعة فى فنجان، وأنها سحابة صيف ستنقشع سريعاً.. ولكن خابت توقعاتنا جميعاً، وتباطأت وسائل إعلامنا فى القيام بما كان ينبغى عليها القيام به.. مما أفقدها فى هذه الأزمة درجة عالية من مصداقيتها على الرغم من محاولتها استعادة زمام الأمور.. وأتصور أن هذه الخسارة ستحتاج إلى وقت كبير لتعويضها أو لعلاجها. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا قياس رد الفعل الفورى والمباشر للسياسات التى يتم إقرارها، وللقرارات التى يتم اتخاذها، بدلاً من أن ننتظر وقتاً طويلاً للتعرف على تجلياتها فى الشارع أو على الأرض.. تستطيع مراكز قياس الرأى العام العالمية أن تمد متخذى القرار، فى غضون ساعات قليلة، باتجاهات الرأى العام نحو خطبهم وقراراتهم خاصة فى أوقات الأزمات.. هناك أساليب ووسائل حديثة تمكنهم من ذلك.. وهذا كفيل بتجنب كثير من الأخطاء المترتبة على عدم القدرة على التنبؤ باتجاهات الناس نحو ما تم إعلانه. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لكنا قد استطعنا تجنب كل هذه الخسائر التى منيت بها مصر خلال الفترة السابقة، والخسائر التى من المنتظر أن يتكبدها الاقتصاد المصرى مستقبلاً، كنتيجة لهذه الأحداث، وقياسات الرأى العام ليست رفاهية للاقتصاديين بل هى عملية أساسية للحصول على إجابات عن الأسئلة التى تتعلق بالجانب البشرى فى المعادلات الحسابية.. الجانب البشرى أو الإنسانى مكون مهم فى المعادلة الاقتصادية.. وليت القائمين على اقتصادنا يتنبهون إلى ذلك. لو كانت لدينا مراكز حقيقية لقياس الرأى العام لما انتشر فى بلادنا المتحدثون نيابة عن الرأى العام، والمدعون أنهم يعبرون عن اتجاهاته، دون قدرة منا على تصديقهم أو تكذيبهم.. لدينا حالياً ألف متحدث بالنيابة عن الرأى العام.. ولدينا ألف ممثل له.. دون أن يكون باستطاعة أحد أن يحدد أيهم صادق وأيهم كاذب.. وأيهم يعبر رأيه عن رأى الأغلبية، وأيهم يعبر رأيه عن رأى الأقلية.. اختلط الحابل بالنابل، ولم تعد الصورة واضحة لأحد.. ولو كانت لدينا قياسات دقيقة للرأى العام لتمكنا من حسم هذا الموضوع. وفى ضوء ما سبق، فسوف أقضى ما تبقى من عمرى العلمى فى الجامعة سعياً لتفعيل مركز الرأى العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة لكى يكون مستقلاً عن الحكومة أو القطاع الخاص وله شخصيته الاعتبارية المستقلة، إننا لن نعيد اختراع العجلة فيما يتعلق بكيفية تسيير وإدارة هذا المركز.. فوجود العديد من المراكز العالمية الناجحة، والتى أثبتت التجارب قدرتها على قياس الرأى العام وعلى التنبؤ باتجاهاته المستقبلية، مثل جالوب، وبيو، وبرنستون، وغيرها، تجعل من عملية استنساخ تجارب هذه المراكز، وطرق عملها وخبراتها أمراً ميسوراً. والمؤكد أيضاً أنه مهما كانت ضخامة ميزانية هذا المركز المقترح، ومهما بلغت نفقاته، فإنها ستكون أقل من الخسائر التى ترتبت على عدم وجوده. عودوا إلى مقالاتى العديدة حول هذه القضية والتى كان آخرها خداع الرؤساء ونفاق الرأى العام. s.abdelaziz@tbwaegypt.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل