المحتوى الرئيسى

الثورة المصرية تضع عَقْداً اجتماعياً جديداً

02/08 08:19

عشت لأشهد وأشارك فى الثورة المصرية من 25 يناير 2011 حتى اللحظة التى أكتب فيها مقالى هذا صباح الأحد 6 فيراير 2011، ملايين المصريين والمصريات مسلمين ومسيحيين ومن كل الاتجاهات والعقائد، توحد الشعب المصرى تحت راية الثورة الشعبية التلقائية، ضد النظام القائم المستبد الفاسد، من قمته إلى قدميه، من فرعون المقدس الأعلى «يتمسك بكرسى العرش وإن أراق دماء الشعب كله» وحكومته الفاسدة وحزبه الحاكم الذى يؤجر البلطجية لقتل الشباب، وبرلمانه المزور المزيف نواب الأراضى والنساء والمخدرات والرشاوى، ونخبته «يسمونها النخبة المثقفة» التى باعت أقلامها وضميرها، أفسدت الثقافة والتعليم والتربية والأخلاق العامة والخاصة، وضللت الرأى العام الجماعى والفردى، من أجل مصالح آنية، ومناصب فى الحكم كبيرة أو صغيرة. خرجت الملايين من المصريين والمصريات، إلى الشوارع من كل المحافظات، من القرى والمدن، من أسوان إلى الإسكندرية والسويس وبورسعيد وكل شبر من أرض الوطن. فى العاصمة القاهرة عسكرنا فى ميدان التحرير، أحد عشر يوماً ليل نهار حتى الآن، أصبح ميدان التحرير هو أرضنا، هو معسكرنا، نرابض فيه فوق الأسفلت وداخل الخيام كتلة واحدة صلبة من البشر رجالاً ونساء، لا نغادر مكاننا وإن هجم علينا البوليس متنكراً فى ثياب مدنية، وإن اقتحم الميدان (كما حدث يوم الأربعاء 2 فبراير) عصابات مأجورة من النظام، أخذ كل منهم رشوة، (خمسين جنيها وفرخة كنتاكى للجندى الصغير ورشاوى أكبر تزيد بازدياد الرتبة)، اقتحموا علينا الميدان راكبين الخيول والجمال مسلحين بكل أنواع الأسلحة حمراء وصفراء وبيضاء، كاد أحد الأحصنة يدوسنى وأنا واقفة فى الميدان مع الشباب، حملونى بعيداً عن قافلة الهجانة الهمجية، رأيتهم بعينى، راكبى الخيول والجمال يبرطعون فى الميدان، يطلقون النيران فى كل مكان، وسط الغبار والدخان الذى غطى الميدان والمبانى من حوله، رأيت كرات النار تتطاير فى الجو، وشباباً يسقط ودماء تراق، نشبت معركة شبه حربية بين مأجورى النظام والشعب المصرى المسالم الذى ينادى بالحرية والكرامة والعدالة، لكن لجنة الدفاع من الشباب الثورى استطاعت أن تنتصر على البلطجية. الشباب أقاموا الخيام على أرض الميدان ليستريحوا بضع ساعات الليل، أمهات بأطفالهن الرضع افترشن الأرض فى البرد تحت المطر، مئات البنات الشابات لم يتحرش بهن أحد، يسرن رافعات الرؤوس يشعرن بالحرية والكرامة والمساواة بينهن وزملائهن،  الأقباط يشاركون فى الثورة جنباً إلى جنب مع المسلمين، حوطنى بعض شباب الإخوان المسلمين قالوا لى «نختلف مع بعض كتاباتك لكننا نحترمك ونحبك، لأنك لم تنافقى أى حكم أو قوة فى الداخل أو الخارج»، طوال سيرى فى الميدان يقبل علىّ الشباب نساء ورجالاً من جميع الاتجاهات، يأخذوننى بالأحضان يقولون «يا د. نوال نحن الأجيال الجديدة التى قرأت كتبك واستلهمت الإبداع والتمرد والثورة من أفكارك المنشورة» ابتلعت الدموع، قلت لهم «هذا عيد لنا كلنا، عيد الحرية والكرامة والعدالة والإبداع والتمرد والثورة»، قالت إحدى الشابات اسمها رانيا رفعت «نحن نطالب بدستور جديد مدنى لا يفرق بين الشعب على أساس الدين أو الجنس أو العقيدة أو العرق أو غيرها»، وقال شاب مسيحى اسمه بطرس داوود «نريد قانون أحوال شخصية مدنياً موحداً لجميع الشعب دون تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو الملة أو الطائفة» وقال شاب اسمه طارق الدميرى «الشباب صنعوا الثورة، وعلينا أن نختار حكومتنا الانتقالية ولجنة وطنية لتغيير الدستور»، وقال شاب اسمه محمد أمين «نريد حل مجلسى الشعب والشورى وعمل انتخابات نزيهة لاختيار رئيس جديد ومجالس شعبية جديدة»، وقال شاب اسمه أحمد جلال «نحن ثورة شعبية تضع عقداً اجتماعياً جديداً، وليس مجرد مطالب، شعار ثورتنا (مساواة، حرية، عدالة اجتماعية)، من صنع الثورة هو من يضع قواعد الحكم الجديد، يختار الحكومة الانتقالية، يختار اللجنة الوطنية التى تغير الدستور، يشكل لجنة حكماء الثورة، حتى لا يفرض علينا الانتهازيون (أصحاب الثروة والسلطة) لجان حكماء لم تشارك معنا فى الثورة، تأتى الآن إلينا بالطائرات من أوروبا أو أمريكا، من المصريين الذين عاشوا حياتهم خارج الوطن أو داخله، يأتون الآن ليصبحوا قادة الثورة، نحن نقول : الذين قاموا بالثورة هم الذين يقودون الثورة، من بيننا حكماء من الشباب أعمارهم بين ثلاثين سنة أو أربعين أو خمسين سنة، عندنا كفاءات فى كل المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، نحن من نشكل لجنة حكمائنا وحكومتنا الانتقالية، واللجنة الوطنية لتغيير الدستور والقوانين، وقال الشاب محمد سعيد «أشعر بالفخر لأول مرة فى حياتى لأنى مصرى. راح اليأس والاكتئاب تحولت الهزيمة إلى نصر، دفعنا ثمن الحرية بدم شهدائنا، ولا توجد قوة تعيدنا إلى الوراء أبداً». تحول الميدان إلى مدينة كاملة بمرافقها، والمستشفى الملحق به يرقد فيه المصابون والجرحى، تطوع الأطباء والممرضات من جموع الشباب، تطوع الأهالى بالبطاطين والأدوية والقطن والشاش والأطعمة والماء، شىء يشبه الحلم والخيال، أعيش مع الشباب والشابات ليل نهار، تكونت لجان منهم تتولى كل الأعمال من كنس الميدان إلى نقل المصابين إلى المستشفى، إلى توفير الطعام والأدوية، إلى تولى الدفاع عن الميدان والرد على أكاذيب النظام فى الإعلام إلى ترشيح أسماء الحكومة الانتقالية ولجنة الحكماء وغيرها،  تلاشت جدران البيوت والمؤسسات والتابوهات التى فرقت بين المواطنين النساء والرجال المسلمين والمسيحيين أو غيرهم، أصبحنا شعباً واحداً لا انقسامات على أساس الجنس أو الدين أو غيرهما، الكل يطالب برحيل مبارك ومحاكمته ورجاله فى الحزب والحكومة، على الدماء المراقة يوم الأربعاء 2 فبراير وكل الأيام منذ 25 يناير، والفساد والاستبداد على مدى ثلاثين عاماً من الحكم، وللحديث بقية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل