المحتوى الرئيسى

نحو عقد اجتماعى جديد (1-2)

02/07 08:18

الأحداث الخطيرة والرائعة التى جعلت مصر بعد 25 يناير كياناً آخر مختلفاً عن قبل ذلك التاريخ، حيث استطاع خير شباب مصر أن يستعيد مصر من جديد، هذه الأحداث الخطيرة تدفعنا إلى الحديث عن عقد اجتماعى يصلح للمرحلة المقبلة. فما هو العقد الاجتماعى وكيف يوجد وما تاريخ هذه الفكرة المحورية فى العلوم السياسية وكيف تّفعل الفكرة فى هذه الآونة وفى وطننا مصر. فكرة العقد الاجتماعى تقوم على أساس أن مجموعة من الناس تعيش فى أوضاع سياسية واقتصادية وثقافية لا ترضى عنها، وتريد أن تنتقل إلى أوضاع أخرى مقابلة تحقق لها التقدم الذى تنشده، ويقول بعض الباحثين فى علوم السياسة إن وسيلة الناس إلى ذلك هى الاهتداء إلى عقد اجتماعى جديد يحقق هذا الانتقال من حال إلى حال. حال غير مرض عنه إلى حال مقبول. ونظرية العقد الاجتماعى التقليدية قامت لتفسير نشأة الدولة، وقد قال بالنظرية فى أصولها الأولى المفكرون هوبز ولوك وجان جاك روسو، والأول والثانى إنجليزيان والثالث سويسرى فرنسى. والعقد الاجتماعى عند هوبز كان عقداً سيئاً، لأنه افترض أن مجموعة من الناس يعيشون فى أحوال بالغة السوء من الفوضى والقهر والاستبداد، ولا يطمحون فى أكثر من تحسين هذا الحال السيئ، ورأى هوبز أن سبيلهم إلى ذلك هو حكم ديكتاتورى يحملهم حملاً لتخطى حالة الفوضى العامة، ولم يعد أحد اليوم يدعو إلى مثل ما دعا إليه هوبز. أما لوك فكان أكثر تفاؤلاً من هوبز فى صياغته لعقده الاجتماعى، الذى أبرم بين الحاكم والمحكومين، وأعطى للحاكم حقوقاً مقابل قيامه بالتزامات معينة، ولكن عقد لوك لم يحقق ما كانت البشرية تطمح إليه- آنذاك- من حكم يعلى سلطان الشعب ويحقق آماله. وجاء جان جاك روسو وهو أشهر الثلاثة وأكثرهم تأثيراً فى الحياة السياسية، ذلك أنه اعتبر العقد الاجتماعى ليس بين حاكم ومحكومين، وإنما العقد الاجتماعى بين الناس وبعضهم، ذلك أن السلطة عند روسو هى سلطة مجموع الناس. مجموع الناس عنده هم الحاكمون والمحكومون فى نفس الوقت، ومن هنا يبين كيف أن روسو كان رومانسياً مثالياً. المهم أن فكرة العقد الاجتماعى تطورت وأصبحت عند كثير من المفكرين السياسيين الحاليين فكرة محورية، لأنها ارتبطت بمعنى «البوصلة» السياسية لنظام ما. ماذا يريد مجموع معين من الناس يتمثل فى دولة معينة أن يحققه من أهداف.. وما وسيلته لتحقيق هذه الأهداف؟!.. ومن جماع ذلك يتكون العقد الاجتماعى. والبعض يرى أن العقد الاجتماعى فى صيغته العملية هو دستور الدولة، ذلك أن دستور الدولة هو الذى يعبر عن «بوصلتها» وإلى أين تتجه، وهذا التعبير يأخذ شكل مواد الدستور التى تحدد نظام الحكم وسلطات الدولة، والعلاقة بين هذه السلطات وبعضها تحدد الحقوق والحريات العامة وكيف يمارس الأفراد هذه الحقوق، وما ضماناتهم من أجل ممارستها. هذا باختصار شديد هو مفهوم العقد الاجتماعى الآن. وإذا كانت نخب كثيرة وأحزاب عديدة تقول إننا فى حاجة إلى عقد اجتماعى جديد فما أهم ملامح هذا العقد سواء من حيث الأهداف أو من حيث الوسائل؟ فى أول عمل أكاديمى لى وكان ذلك فى منتصف الستينيات من القرن الماضى فى كتاب «الأنظمة السياسية المعاصرة» ناقشت النظريات التى قيلت فى تفسير نشأة الدولة، وعقبت على كل منها ثم انتهيت منذ ذلك الوقت المبكر إلى رأى يقول إن الهدف الأساسى من قيام الدولة هو تحقيق معنى «الأمان» لأفراد المجتمع، وأوضحت أن معنى «الأمان» يتسع لكى يبدأ بالأمان ضد غارات الطبيعة وغارات القبائل المجاورة ثم يتطور إلى أن يصل إلى الأمان النووى، ولكن الجوهر واحد وهو تحقيق «الأمان» للمواطنين. وهذا «الأمان» الآن له أبعاده وله مقومات لا يقوم دونها. والذين يطالبون الآن بعقد اجتماعى جديد ينطلقون من أن الواقع الذى نعيشه لا يحقق الأمان للسواد الأعظم من الناس. لا يحقق الأمانى للغالبية العظمى من المصريين الذين لا يأمنون على حاضرهم ولا على مستقبلهم ولا يجدون فى حياتهم ما يشعرهم بأنهم آمنون، والأمان فى أيامنا هذه واسع المدى والمفهوم. أنت تريد أن تأمن على حياتك وعلى حريتك وعلى مالك وعلى تحقيق احتياجاتك الأساسية من تعليم وصحة وغير ذلك من ضرورات الحياة. فكيف يتحقق لك ولغيرك ذلك الهدف. لابد من التسليم بأن «سلطة الدولة» ضرورة لكى يتحقق ذلك. فكيف إذن تقوم سلطة الدولة؟ هذا سؤال بالغ الأهمية فكيف أجابت عنه التجارب البشرية فى الشرق والغرب وفيما بين الشرق والغرب من بلاد. وكيف تقوم سلطة الدولة تحديداً فى الدول التى استطاعت أن تحقق لمواطنيها جميعاً الإحساس بالأمان بالمعنى الذى أشرنا إليه؟ التجارب الإنسانية التى حققت ذلك تقول بوضوح شديد إن إرادة الناس الحرة هى التى تقيم سلطة الدولة التى تهدف إلى تحقيق الأمان للمواطنين بالمعنى الذى أشرنا إليه. والنظام السياسى الذى يقيم سلطة الدولة على إرادة الناس واختيارهم هو النظام الذى اصطلح على تسميته النظام الديمقراطى. فما هو جوهر النظام الديمقراطى؟ لا يقوم النظام الديمقراطى بداءة إلا فى دولة مدنية أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الدولة الديمقراطية هى بالضرورة دولة مدنية. فما هى الدولة المدنية؟ الدولة المدنية هى دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية، بمعنى أن كل مواطن فى الدولة يتساوى مع كل مواطن آخر فيها. المواطنون فى الدولة المدنية سواء فى الحقوق والواجبات لا تفرقة بينهم لأى سبب من الأسباب طالما كانوا يحملون جنسية الدولة أى طالما كانوا مواطنين فى الدولة. والدولة المدنية على هذا النحو لا يمكن أن تكون دولة دينية أو دولة بوليسية، لأن الدولة الدينية تفرق بين المواطنين على أساس الانتماء الدينى، أما الدولة البوليسية فهى لا تعرف الحق فى المساواة، ومن ثم لا تعرف المعنى الصحيح للمواطنة. الدولة المدنية ليست معادية للدين. الدين ضرورة اجتماعية وضرورة أخلاقية، ولكن الدين يجب أن يظل بعيداً عن السياسة والسياسة يجب أن تظل بعيدة عن الدين. الدين مطلق والسياسة نسبية وتتغير بتغير الأزمان والمجتمعات والظروف وليس كذلك الدين. هذا عن ضرورة الدولة المدنية. دولة كل المواطنين فى العقد الاجتماعى الجديد والعقد الاجتماعى الذى نريده وننادى به يرى أن الدولة المدنية لأنها ديمقراطية فهى يجب أن تقوم على التعددية السياسية. والتعددية السياسية تعنى أن تقوم الأحزاب بإرادة الناس ولا خطر على إرادة الناس فى تكوين ما يريدون من أحزاب. والأحزاب حرة تماماً فى ممارستها لنشاطها من اجتماعات ومن وسائل تعبير. هى حرة فى نشأتها وحرة فى نشاطها. وهذه التعددية الحزبية ينتج عنها تداول السلطة. النظام الديمقراطى التعددى يتنافى ويتعارض بالضرورة مع بقاء السلطة لمدد طويلة أو لمدى الحياة. وإلى المقال القادم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل