المحتوى الرئيسى

احذرْ كتابَ التاريخ

02/07 08:18

لا أحدَ يُنكر على الرئيس مبارك منجزاته فى بداية ولايته من تطوير البنية التحتية وميديا الاتصال، ثم إخماد الإرهاب الذى كاد يعصفُ بمصر. لذلك من اللائق تنازله عن السلطة فى وداع رسمىّ جماهيرىّ أنيق، يليق بحاكم مصر. على أن محكمةَ التاريخ لن تمرِّر لنظامه ما فعله بأبناء شعبه من قتل وترويع، فقط لأنهم اختاروا أن يحرروا وطنهم من حكم شمولىّ طال عهده، التهمَت فيه بطونُ حاشية البلاط كلَّ ثروات مصر، ليتركوا بطونَ ملايين المصريين خاوية، لأنهم قرروا ألا يجددوا له البيعةَ التى جددها له الاستفتاء الأحادىّ أولا، ثم الانتخابات غير الشفافة، فيما بعد.  لأنهم اختاروا طريقًا ضدًّا لطريق موفدى الحزب الحاكم الذين رقصوا أمام كاميرات الفضائيات المصرية يهللون للرئيس ويتضرعون ألا يؤاخذ شعبَ مصر بما فعل »السفهاءُ منّا«، متوسلينه أن يظل رئيسًا لمصر حتى »النفَس الأخير«، تمامًا مثلما وعد هو بذلك فى كل خطبه. حدَّ أن هتف أحدُهم بأعلى صوته: »جزمتك فوق راسى وفوق راس مصر يا ريس!« وهو لا يعلم أنه مسؤول، وفقط، عن رأسه الذى ينبطحُ تحت أحذية الحكّام، أما رأسُ مصرَ الكريم فأعلى من هامة الحكّام والتاريخ والدنيا. أطلقت حاشيةُ الرئيس فى الحزب الوطنى كلابَ السلطة الشرسة بالهراوات والحجارة والجِمال والخيول وزجاجات المولوتوف وقنّاصة كُرات النار لكى يرهبوا شباب مصر »الأعزل«، الذى لا يتسلّح إلا بحُلم كتابة غدٍ ديمقراطىّ ليبرالىّ تعددىّ أجمل لمصر. أبناؤنا من صفوة الإنتلجنسيا المصرية الذين خرجوا فى ثورة من أنقى ثورات التاريخ وأكثرها رُقيًّا وعلوًّا. قرروا أن تظل سلميةً حتى النهاية. منعت حاشيةُ السلطان عن أبنائنا الإمدادات الحيوية من طعام وماء ودواء، كانت تزوّدهم بها البيوتُ المصرية والأمهاتُ الحانيات. ولولا رجال الجيش المصرى النبلاء، لأفلح أولئك الخشنون، من خُدّام السلطان، فى نهش شباب مصر بأسنانهم. على الرئيس مبارك أن يدرك أن محكمةَ التاريخ لا تغفر، ولا تنسى. عمياءُ مثل »ماعت« ربّةِ العدل الفرعونية. لا تجاملُ السلطانَ على حساب البؤساء الذين لا سند لهم سوى أحلامهم. فالمصريون أولُ من أقرّوا العدلَ فى الأرض يا سيادة الرئيس، قبل التشريعات وقبل الأديان. كان بوسعكَ أن تنقذَ صفحتك، بل، وتسجل فى تاريخك سابقةً لم يعرفها حكّامُ العرب، لو أصختَ السمعَ لصوت شعبك، وتنحيتَ نزولا على رأيه. لكنها العِزةُ التى تأخذنا! رفضتَ الإنصات، ثم خرجتَ على الناس ببيان فى إثر بيان، كلاهما لا يداوى مرارةً علَقَتْ بحلوق الناس عقودًا. لم تعتذر عن تجويع الشعب، ولا عن فساد حكوماتك، ولا واسيت الأمهاتِ اللواتى غدون ثكلاوات على يد رجالك. ورغم اعتلائك عرش مصر ثلاثين عامًا، لم يخبرك حدسُك أن شعبك بالفعل راق وطيب وعاطفىّ ونبيل. لو لم تتباطأ وأعلنت التنحى مبكرًا، لربما سألك الثوارُ أنفسُهم الاستمرارَ حتى انتهاء ولايتك. مثلما فعل المصريون مع جمال عبدالناصر فى 9 يونيو 67. لكنك أبيتَ إلا أن تزيد غضبَهم اشتعالا باستمساكك بالحكم، غير عابئ باشتعال مصر. لن تسامحك كلُّ أمٍّ مصرية ثكلت وليدها فى عهدك، ولن يسامحك التاريخ. لو قُدِّر لمصرَ أن تعرف، فى مستقبل أيامها، حكومةً نزيهة، ووزير تعليم شريفاً، يؤرخ حكايةَ مصر كما حدثت، وليس كما دأبت وزاراتُ التعليم على فبركة أحداث يحشون بها رؤوس الصغار وينسبونها زورًا للتاريخ، لو قُّدّر لمصر مثل هذا الوزير المحترم، سيتعلم الصغارُ من أبناء مصر،  بعد سنوات، فى كتاب الصف الرابع، أن نسرًا جويًّا جسورًا أنجز الضربة الأولى التى أتت لنا بنصر أكتوبر، بيدٍ، لكنه، باليد الأخرى، بعدما اعتلى عرشَ مصر، صنع نظامًا فاشيًّا أزهق أرواح أبنائها، بعدما جوّع آباءهم ثلاثين عامًا ورما بهم إلى حضيض الفقر والمرض، بينما أغدق على حاشيته ومنافقيه من جيب مصرَ السخىّ، ما لن تسامح مصرُ فى إهداره. سيادة الرئيس، احذرْ كتابَ التاريخ. fatma_naoot@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل