المحتوى الرئيسى

إنّ لِلجُّوعِ عَضّة بقلم: فرياد إبراهيم

02/07 20:18

إنّ لِلجُّوعِ عَضّة بقلم: فرياد إبراهيم- الزبرجد- لا شك فيه انه ليس هناك آفة إجتماعية أشد فتكا من آفة الفقر والجوع. فمعظم الثورات كانت ولا تزال سببها التفاوت والتباين في المستوى المعيشي بين أفراد المجتمع: اقلية تملك كل شئ واغلبية لا تملك شيئا، معدمة. فالثورة التي قام بها النبي العربي كانت في اساسها ثورة ضد هذا التباين. وكانت هجماته على قوافل الأغنياء من عشيرته وابي سفيان في عام 624 م بالذات اول ضريبة قسرية تفرض على الغني لصالح الفقير. وروبن هود الأنكليزي ، هو الآخر أخذ – سرق من الغني ليوزع اربعة اخماس الغنائم على الفقراء والمحتاجين. ليرسم بذلك شكلا آخر من أشكال الضريبة القسرية. ومن قام بالثورة الفرنسية سوى الرعاء وعامة الناس الجياع؟ لم تجد العامة خبزا لأن ترف وبذخ العائلة المالكة أفرغا خزينة الدولة. حينما سارت جموع الثوار الى قصر الملك مطالبين بالخبز خرجت الأميرة ماري انطوانيت النمساوية الغريبة عن اهل باريس تقف على شرفة القصر وقدمت إقتراحها الشهير التأريخي لمستشاريها: " إذا لم يجد هؤلاء الرعاء خبزا فقولوا لهم أن يأكلوا البسكويت كبديل!" فالتباين في الدخل والتفاوت الشاسع في معدلات مستوى المعيشة وسوء توزيع الثروة يعتبر عاملا مباشرا للتفكك الاجتماعي وعدم الأستقرار. ولنا في العراق مثالا حيا. فالعلاقات في الثمانينات كانت لا تزال قوية متينة بين افراد المجتمع والأسرة ، هذا ما عدا حالات من الشك والريبة افرزتها ظروف الحرب. ورغم ذلك فان النسيج الإجتماعي كان ما زال متماسكا . ولكن هذا النسيج تمزق واصيب بعطب شديد في التسعينات . إذ أن الحصار الأقتصادي وجه ضربة قاصمة للعلاقات الاجتماعية مما ادى الى تفكك بنية المجتمع واختلت المعايير والقيم الأخلاقية وشاعت الانانية ووهنت صلة الرحم وساد حب الذات ، وتآكلت اواصر القرابة والصداقة والزمالة . وتفشت جرائم السرقة والنهب والسلب. عض الجوع. فصار الأخ يعض أخاه من أجل تأمين لقمة عيش أطفاله وقوته في بعض البقاع. اختفت قيم الحب والتآلف ولتعاون ليحل محلها الحسد والحقد والغيرة . وحتى هذا اليوم فإن الشعب لا يزال يعاني من آثار هذه اللطمة التي اصابت هذه القيم السامية والنبيلة الموروثة على مر العصور. ان سرّ ازدهار الغرب وتقدمه واستقراره وخلوه من أعاصير وبراكين الثورات يعزى بالدرجة الأولى الى النظام الضريبي الدقيق. بحيث صار الكل يعيش حياتا آمنا مضمونا مشرفا. فقد زالت الفروق بين الأفراد بحيث لا يكاد المرء يميز بين مليونير وبين من يتقاضى الحد الادنى من المعونة الأجتماعية. طالما أن هذا الطرف تستحصل منه ضرائب إضافية كلما زادت ثروته لتوضف هذه المبالغ المستحصلة منه في خدمة الأقل دخلا. و بمعنى اخر اخذت هذه الضرائب القليل من بسكويت ماري انطوانيت لتشتري به المعكرونة للعامة. أنهم تجاوزوا الأزمة منذ زمن بعيد. اي أن أهل الشرق عامة والعرب خاصة لا يزالون يعيشون في ظروف القرون الوسطى الأوربية. إنه المستحيل ان تستقر الامور ويستتب الامن في مجتمع ما وبلد ما دون هذا النظام الضريبي وعدالة توزيع الثروة. فسوء توزيع الثروة سيؤول آجلا أو عاجلا الى إندلاع الثورة. لهذا انتفت الحاجة هنا في الغرب الى السلاح. حتى خلت الشوارع من رجال الشرطة والأمن. لأن الكل راض وكل له ما لجاره وابناء حيه وشارعه من إمتيازات وضمانات. وتوجد هناك مؤسسات وشركات من القطاع الخاص تقوم بمساعدة ذوي الدخل المحدود والأطفال وذلك بتقديم هبات مالية مقطوعة منتظمة إليهم ، وغالبا بدون علم الحكومة. فهؤلاء الأثرياء أذكياء لا أغبياء كاثرياء الشرق. يدركون بالتأكيد أن راحتهم النفسية وخلو بالهم إنما تتأتى وتنبثق من راحة وخلو بال جاره ومواطنيه ومجتمعه الذي هو جزء منه. فلو تنازلت العائلة المالكة المصرية واثرياء مصر الاقلية كل بجزء يسير من ماله للفقراء لما عض هؤلاء الجوع ولما دفعهم ألم وحرقة المعدة الخاوية الى العض والانقضاض! ولما أصابتهم هم – أي الأثرياء- أعراض التخمة وأمراض البطنة والنقرس وامراض القلب والشرايين والسرطان!! هل هناك شئ امرّوآلم وانكد من ان لا يجد شاب بعمر الزهور ما يدفع به ثمن شراء حذاء جديد، ولا يملك في جيبه مليما ، ينام بعضهم فوق السطوح ولا يجد حماما يستحم فيه ولا جدران تضمه ولا مرافق صحية يجلس فيها كالبشر. وهو يرى من حوله من اولاد دول الخليج في نعيم وبحبوحة العيش وشباب اوربا في جنة المتعة واللذة والأمان والضمان حاضرا ومستقبلا. وخاصة نحن في عصر تلاشت الحواجز بين الأمم والشعوب وانفتحت عيون الناس بفضل الفضائيات والانترنت والفيس بوكس Facebox وما الى ذلك من وسائل البث المرئية والمسموعة. وكما قالت هيلاري كلنتون بالأمس تعليقا على ثورة شعب مصرالعاصفة : " إنها ثورة شباب يائس ،عاطل ، معدم ، جائع ، معظمهم أصحاب شهادات لا يجدون عملا شريفا يليق بهم، انها ثورة شاملة كاملة (بيرفكت Perfect) متواصلة متحركة منتقلة." ومن يعُضّه الجوع سيضطر بالمحصلة، إن لم تسعف حاجته، إلى ان يلجأ هو بدوره إلى العَضّ. وما اليأس القاتل، وهو سبب الأنتحار الأول، إلا أحد ثمار ومضاعفات الفقر والجوع. فالجوع هو البلية الوحيدة من بين جميع البلايا التي تصيب الفرد الذي يسند إليه فعل: " العض" فالتراث العربي زاخر بعبارة: فلان عضّه الجوع." واشباهها ومثيلاتها. قال الأمام علي : " جرّبتُ الحديد فغلبته وجرّبني الفقر فغلبني: إن أذعته فضحني وإن سترته أهلكني ." وقال أيضا: " لو كان الفقر رجلا لقتلته." والشعور باليأس والأحباط يقضي على الخوف والتردد، ويجعل المرء جريئا لا يخاف ولا يهتم بالعواقب، انها حالة نفسية مسلّمة بها : " انا الغريق فما خوفي من البلل." يقول الشاعر: إذا يَئِس الإنسانُ طالَ لِسَانُه كسِنّورِ مَغلُوبٍ يَصُول عَلَى الكََلِبِ *************** فرياد إبراهيم- الزبرجد- 6-2-2011 www.Freeyad Ibrahim.nl

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل