المحتوى الرئيسى

ضوابط إصلاح بقلم رفيق علي

02/06 17:22

ضوابط إصلاح بغير ما نفاق لأحد , أو مجاملة في غير محلها، بغير ما تحيز ولا تعصب، بكل المفهوم الاعتدالي المطلوب, يقع علينا أن ننظر نظرة شمولية فاحصة لما يحياه العالم الإسلامي من واقع , وما يدور حولنا من أحداث قريبة وبعيدة، وذلك بحساب ثقل العوالم الأخرى , وثقل الأنظمة وثقل السياسة , وثقل الإعلام , ثم نبني مواقفنا على أساس من هذا الواقع المتأثر بكل هذه الأثقال والتيارات .. ولما كان علينا نحن الشرق العربي والإسلامي الذي تخلف فترة طويلة من الزمن , أن نضاعف جهدنا , ومثيلاً له الوقت المخصص للعمل لكي نلحق بمن سبقونا , فلا يعودوا إلى استعمارنا مرةً أخرى , علينا ألا نبقى على طول الزمن , لا أكثر من فرسان كلام كما ينعتنا بعضهم , وكما يدل عليه واقعنا بالفعل : فوق المنابر وأمام ميكروفونات الإذاعة , وعلى موائد مؤتمرات القمة ! علينا أن نتكلم قليلاً قليلاً ونعمل كثيراً كثيراً .. وهذا هو هدي قرآننا الكريم إذ يقول الله تعالى : " أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا " [ الأحقاف 16 ] . ويقول : " ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " [ الأعراف : 129 ] . وهذا أيضاً توجيه رسولنا الكريم إذ يقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " ويقول بعض الحكماء : " من كثر كلامه كثر سقَطه " ولكننا أسأنا الفهم, وغيرنا وبدلنا , وتنافسنا على القول , وأكثرنا من الأشعار والخيالات , وتمادينا في الجدليات والفلسفيات , حتى تفرقت بنا السبل , وتبددت المعالم واندثرت أو تكاد تندثر القيم ! وإذا أردنا أن نصلح من حالنا فما علينا إلا أن نقلّ من الثرثرة ونتجه إلى العمل على منهج وبصيرة وذلك بأن نضع أيدينا فوق نقطة الضعف أو الألم أو التأخر في أنفسنا أولاً، ثم في أسرتنا وعشيرتنا الأقربين , ثم في مجتمعنا فنعمل بكل وسيلة نافعة تقوم على توجيهات ومبادئ دينية سامية ( منهج سلوكي ) وحقائق علمية صحيحة ( منهج علمي ) من أجل العلاج والإصلاح ..وأود أن أبرز هنا بعض الضوابط التي لو أخذ بها لكانت علاجاً نافعاً , وآتت إصلاحاً ناجعاً : وأول هذه الضوابط , وأولاها بالتقديم , حساب النفس , ودليله من القرآن الكريم قول الله تعالى : " ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد " [ الحشر : 18 ] ودليله من الأثر قول عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم " . وحساب النفس هذا هو خصوص النقد الذاتي , وهو الأحق ببدء العمل والمبادرة إليه قبل الانتقال إلى حساب الغير الذي هو عموم النقد الذاتي , إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه , فلا يعقل الإقدام على نقد الغير أو نصحه مع افتقاد عنصر الانتصاح , ولا يجوز وعظ الغير مع افتقاد عنصر الاتعاظ , وقد قال الله تعالى في سورة الصف : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " . وحساب النفس يجب أن يكون يومياً , بمعنى أن يكون عند نهاية كل يوم، وذلك بمراجعة النفس في كل ما عملت أثناء هذا اليوم , وعرضه على معيار الحق الإلهي المتمثل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم . فإذا ثبت للمسلم خطأ عمل من هذه الأعمال أو انحرافه عن جادة الحق فعليه أن يبدأ بالاستغفار فالتوبة الصادقة , وأن يبيّت العزم على تصحيح هذا الخطأ ما استطاع إلى ذلك سبيلا .. وألا يعود إلى مثله مرةً ثانية . بل على الإنسان أن يحاسب نفسه ليس على مجرد الخطأ والإثم ولكن على قيمة العمل الذي قدمه ومدى ما أنجز من خطوات على طريق خطة من خطط الإصلاح أو التجديد أو الدعوة ! أما الضابط الثاني الذي يلي الأول بالضرورة ويرتبط به ارتباطاً فهو حساب الغير، وهو عموم النقد الذاتي كما قلنا، والمقدمة الضرورية للإصلاح؛ إذ لا يمكن رتق الثوب بغير معرفة العيب كما لا يمكن وصف العلاج بغير تشخيص المرض , ودليل هذا النقد الذاتي ومحاسبة الآخرين على أعمالهم قول الله تعالى " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " [ التوبة : 105 ] . وقوله تعالى : " كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " [ المائدة : 79 ] . ومفهوم أن التناهي عن المنكر لا يكون بغير مقدمة النقد والحساب . أ أما الضابط الثالث على طريق الإصلاح فهو تحرير العقل من الاستعمار الفكري , ودليله قول الله تعالى : " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً " (النساء:115) . وقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتولَّوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " [ الممتحنة : 13] . وقوله تعالى : " اتَّبعوا ما أُنزل إليكم من ربِّكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " [ الأعراف : 3 ] . ولا شك أن التبعية الفكرية للاستعمار هي الصورة الواضحة في زماننا للولاء المنهي عنه في هذه الآيات الكريمة وأمثالها . كما أن الأمر يتعلق بأظهر مقوِّم من مقومات الحضارة , ألا وهو المنهج الذي يحاول الاستعمار الفكري أن يطمسه فينا بأن يدخل علينا من مناهجه أو يبقي من قوانينه أو يفشي من تقاليده وتقاليعه ! فقد جلا الاستعمار بعسكره وظل مقيماً بفكره ! وهذه علاماته وآثاره شاهدة على ذلك في كل مكان : في المنهج التعليمي , في الحكومات , في محاكم الصلح , في دور اللهو في مسارح الفن , وحتى في المسكن والثياب ! إلى الدرجة التي يكاد أن يحوّل الكثير عن عقيدته ومنهجه وينسيه تراثه وأصالته! والمنهج هو الخارطة التي يقوم عليها االبناء ، والتراث هو قاعدة هذا البناء الذي لا يقوم بدونه إلا معلقاً في الهواء ! وإذا أردنا لهذا البناء أن يقوم , وإذا أردنا لحضارتنا أن تعود , فما علينا إلا أن نحرر عقلنا من هذا الاستعمار الفكري يكل أنماطه وصوره المتغلغلة فينا , وأن نزداد تمسكاً بمنهجنا واعتزازاً بأصالتنا . أما الضابط الرابع وهو امتداد للثالث ومتعلق من متعلقاته فهو تحرير النفس من عقدة الأجنبي , وهي الشعور بالنقص تجاهه والاعتقاد بأفضليته وجدارته ! وبالطبع فليس هذا شعور المسلم الذي يعتقد بما جاء في القرآن الكريم ويعمل به إذ يقول الله تعالى : " كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. " [ آل عمران : 110 ] . ولا هو اعتقاد المؤمن الذي يفهم قول الله تعالى : " فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين " [ المائدة : 54 ] . ولكنه شعور نفس ضعيفة الإيمان مستعبدة لغير الله , واعتقاد نفس غير ثابتة العقيدة , سرعان ما تحولها الرياح ويجرفها التيار ! شعور نفس عاشت زماناً تحت نير الاستعمار وتأثيره , ثم لم تزل تتعلق بأذياله , وتتشبث بإفرازاته , حتى صار صاحبها لا يرى نفسه جديراً بالثقة , ولا كفئاً للقيام بالأعمال الإنسانية الكبيرة , أو تصريف الأمور التي تستلزم عمليات العلم المعقدة , ويرى أن الأوربي دائماً هو الجدير بذلك ! وحتى صارت لفظة أجنبي عنده مقرونة دائماً بما هو أفضل وأجود وأكثر قيمة وأعظم تفوقاً ! وصار العربي لا يأمن مصرفاً عربياً ولا إسلامياً على وديعته , ويأمن دون ذلك " بنكاً " في سويسرة أو فرنسا أو الولايات المتحدة ! بل أصبح لا يطمئن إلى لغته العريقة التي تنزل بها القرآن الكريم , وإذا أراد أن يوضح كلامه للسامع أو القارئ عمد إلى كلمة أجنبية أو تعبير من صنفها فحشره بين كلامه أو وضعه بين قوسين على اعتبار أنه أكثر دقة وأقرب إيصالاً للمعنى المراد ! لقد تغلغلت عقدة الأجنبي حتى في نفوس أهل الفكر والبحث وأهل اللغة وأصحابها، وأذكر أنني في إحدى السنوات لعلها سنة 1981 , حضرت في مدرج غربال بجامعة عين شمس , مناقشة رسالة في الآداب التركية , وقد سيق الطالب أو ساق نفسه خلال رسالته للاستشهاد بآراء مستشرق فرنسي، وحينما جاء دور الدكتور عبد النعيم حسنين لمناقشته كان من ضمن ما وجه إليه أنه قال : " لقد ذكرت في رسالتك اسماً لمستشرق واستشهدت بأقواله .. يا ابني , هذا المستشرق لا يزال طالباً يعد لرسالة الماجستير مثلك، وقد عرفته منذ العام الماضي حينما قابلني في جامعة السوربون بفرنسا , وأنت الآن تقدم رسالة الماجستير , فكيف تستشهد بأقوال من لا يزال يعد للرسالة وربما لم يقطع فيها ما قطعت من شوط ؟! وهكذا لأنه مستشرق " أجنبي " فقد وقع طالبنا العربي ودكتور المستقبل, فريسة الثقة العمياء بأقواله إلى درجة الاستشهاد بها في رسالة علمية ! إنها ولا شك عقدة الأجنبي وعقدة الأفكار المستوردة , وعلينا أن نمحوها .. إنه الاستعمار الفكري وعلينا أن نعمل على إجلائه .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل