المحتوى الرئيسى

أمْران لا بدَّ من توضيحهما!بقلم: جواد البشيتي

02/06 15:53

أمْران لا بدَّ من توضيحهما! جواد البشيتي أَكْتُب وأنا أعْلَم أنْ لا قارئ يَقْرأ الآن؛ فالثورة المصرية هي الآن "الكاتب" الذي "سطا" على كل رصيد الكُتَّاب من القُرَّاء تقريباً؛ ولَمَّا سألَتْ "الجزيرة"، التي هي الآن كجريدة "الشرارة"، التي أصدرها لينين في المنفى، لجهة تفاعلها الإعلامي والسياسي (والثوري) مع الثورة المصرية، صحافياً مصرياً، أجابها قائلاً: "أنا الآن من ثوَّار ميدان التحرير؛ ولقد كُنْتُ صحافياً حتى الخامس والعشرين من يناير". إنَّها الثورة التي أطاحت حتى الآن بما هو أهم بكثير من نظام حكم الدكتاتور حسني مبارك، ألا وهو "المجتمع المصري" نفسه؛ فإنَّ كل من له عين تبصر، وأُذن تسمع، وعقل يَعْقِل، لا يشك، ولا يجادل، في أنَّ مصر الجديدة الجيِّدة، في وعيها، وروحها، وخُلُقِها، وهويتها، ومشاعرها، وانتمائها، قد وُلِدَت الآن، في ميدان التحرير، الذي سيدخل التاريخ بصفة كونه مسقط رأس مصر الجديدة، والتي ستكون مسقط رأس المجتمع العربي الجديد الجيِّد، أرادت ذلك أم لَمْ تُرِد. عندما اندلعت "ثورة الياسمين" في تونس، والتي ألْهَمت كثيراً الثورة المصرية، ورسمت لها (ولغيرها) ما يشبه "خريطة الطريق"، وكانت "المثال" القويُّ في تأثيره، فيها، وفي غيرها، قال وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إنَّ تونس غير مصر، وإنَّ اللغو بعينه أنْ يتوقَّع المرء حدوث الأمر نفسه في مصر؛ وكأنْ لا وجه للشبه بين نظامي الحكم، أو بين الشعبين لجهة معاناتهما. حتى الولايات المتحدة، التي هي بصفة القوَّة العظمى في العالم لكونها، أيضاً، "عليمة"، وتٌحْسِن "التوقُّع"، فشلت أجهزة استخباراتها في توقُّع حدوث ما حدث في تونس ومصر؛ لكنَّها أقرَّت بهذا الفشل. أمْران أرى ضرورة لتوضيحهما وجلائهما، فهما ملتبسان بعض الشيء. الأمر الأوَّل هو ظَنُّ بعض الناس (الذين لم تَسْتَقِم بعد طريقتهم في التفكير والفهم والنَّظر) أنَّ للولايات المتحدة (التي طالما تحدَّثت من قبل، وفي عهد رئيسها الجمهوري جورج بوش على وجه التعيين، عن الشرق الأوسط الجديد، أو الكبير) يد (خفية) في ما حدث ويحدث، وأنَّها تقف (في السرِّ والعَلَن) مع الثورة المصرية ضدَّ نظام حكم حسني مبارك. يظنُّون ذلك مع أنَّ "المرشد الأعلى للثورة الإسلامية" في إيران علي خامنئي سعى لإقناع شعبه بأنَّ ثورة مصر مستوحاة من "الثورة الإسلامية" في إيران، وبأنَّها علامة على "يقظة إسلامية"، داعياً، في الوقت نفسه، إلى "أسْلَمَة (أو زيادة أسْلَمة)" الثورة المصرية. ولا ريب في أنَّ خامنئي لا يريد لشعبه أنْ يفهم الثورة المصرية على حقيقتها، وعلى أنَّها ديمقراطية في المقام الأوَّل، وليست دينية (أو إسلامية) في دوافعها وحوافزها ومطالبها وأهدافها.. وقواها. وأحسب أنْ ليس من المنطق في شيء أنْ "نتَّهِم" الولايات المتحدة بأنَّها تسعى إلى ثورة في مصر تشبه، أو يمكن أن تشبه، لجهة نتيجتها النهائية، الثورة الإسلامية في إيران، إلاَّ إذا استخذت عقولنا لوهم آخر هو أنَّ إيران ليست ببريئة من تهمة "اللعب مع الولايات المتحدة" على المستوى الإقليمي. إذا أردنا للمنطق أنْ يسود تفكيرنا فلا بدَّ لنا من أنْ نفهم ونفسِّر جملة المواقف الأخيرة لإدارة الرئيس أوباما من الثورة المصرية، ومن نظام حكم حسني مبارك، على أنَّها خير وأقوى دليل على أنَّ الولايات المتحدة تخشى كثيراً عواقب "استمرار" و"تعاظم" الثورة المصرية؛ فإنَّ إدارة الرئيس أوباما لا تبدي ما تبديه الآن من اعتراض على بقاء حسني مبارك على رأس نظام الحكم في مصر إلاَّ لكونها تَقِف (في مصالحها وأهدافها الإستراتيجية في الشرق الأوسط) ضدَّ بقاء الثورة المصرية مشتعلة، تزداد اشتعالاً. إنَّ جُلَّ ما تريده الولايات المتحدة، وتسعى إليه، الآن، هو إنهاء الثورة المصرية وهي رُبْع، أو ثُلْث، أو نصف، ثورة، ولو من خلال التضحية برأس نظام الحكم في مصر، فهذه الثورة يجب، بحسب وجهة نظر الولايات المتحدة، ألاَّ تستمر وتعظم أكثر ممَّا استمرت وعظمت، وأنْ تنتهي إلى "إصلاح (يشبه التجميل ليس إلاَّ) لنظام الحكم المصري، فنظام الحكم هذا يجب (من وجهة نظر الولايات المتحدة) أنْ يبقى ولو من طريق التخلُّص من رأسه، ومصر يجب أنْ تظل أسيرة معاهدة السلام مع إسرائيل، وأسيرة للمصالح والأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة على المستوى الإقليمي. إنَّني لا أفهم، ولا يمكنني أنْ أفهم، ما تبديه الولايات المتحدة من اعتراض على بقاء حليفها الدكتاتور حسني مبارك على رأس نظام الحكم في مصر إلاَّ على أنَّه موقف نابع من عدائها لاستمرار وتعاظم الثورة المصرية؛ وكأنَّها تخاطب نظام الحكم المصري قائلة: "اعْرَف كيف تلعب ورقة التخلُّص من مبارك، وإصلاح نفسك، بما يسمح لكَ، ولنا، بالقضاء على هذه الثورة وهي في مهدها". أمَّا الأمر الثاني فهو ظَنُّ بعض المصريين، وبعض العرب، أنَّ حسني مبارك هو الآن "بطل قومي"، أو يشبه "البطل القومي"؛ ذلك لأنَّه يتكلَّم ويتصرَّف بما يُظْهِره على أنَّه مقاوِم للضغوط الأجنبية، ولضغوط الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ناسين، أو متناسين، ما أبدته إسرائيل من حرص على بقائه. إنَّني لا أُنْكِر أنَّ الدكتاتور مبارك هو الآن ناقم على الولايات المتحدة، "معادٍ لها"، يأبى الاستخذاء لضغوطها ومشيئتها؛ لكنه في سلوكه هذا لا يختلف عن أي دكتاتور تخلَّت عنه الولايات المتحدة (خدمةً لمصالحها) بعدما خدمها كثيراً. الحاكم العربي لن يكون بطلاً قومياً حقيقياً إلاَّ إذا بادل، وعرف كيف يبادل، الولايات المتحدة عداءً بعداء؛ لكنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل حاكم عربي يعادي الولايات المتحدة، أو يصبح معادياً لها، يجب أن يكون بطلاً قومياً، فليس من البطولة القومية في شيء أنْ يعادي الحاكم العربي الولايات المتحدة في الوقت الذي يعادي شعبه أكثر. "البطل القومي" مبارك، الذي يتصرَّف الآن بما يجعل بعض السذَّج يتوهمون أنَّه يقول "لا" للضغوط الخارجية (والغربية منها على وجه الخصوص) والتي تستهدف تنحيته عن الحكم، أي شراء "إجهاض الثورة المصرية" بهذا الثمن البخس، إنَّما هو نفسه الذي طالما استخذى لضغوط الولايات المتحدة (وإسرائيل) للزَّج بمصر في حروبها وصراعها ضد المصالح والحقوق والقضايا القومية العربية. عهد مبارك انتهى؛ لكنَّ لعب ورقة التخلُّص منه لم ينتهِ بعد، فنظام الحكم المصري والولايات المتحدة، يسعيان، وبالتعاون مع "وسطاء" من أمثال "لجنة الحكماء"، إلى جَعْل التخلُّص من مبارك هو "النصر النهائي" للثورة المصرية، مع الاحتفال سنوياً بهذه الثورة و"نصرها"! إنَّها لعبة الإنقاذ المتبادل، فمبارك مدعو إلى المساعدة في إنقاذ نظام الحكم في مقابل أنْ يساعده نظام الحكم في إنقاذ نفسه. لقد أثبت نظام الحكم المصري (من خلال مبارك) أنَّه لن يتورَّع عن إحراق مصر كلها، وعن الحكم بالإرهاب والجريمة، في سبيل إنقاذ نفسه؛ فلو أنَّ نزراً من ثورة مصر عَرَفَتْه دولة في الغرب لتبدَّل وجهها السياسي تماماً. وإذا أردتم مزيداً من الأدلة على أنَّهم جميعاً من جنس واحد، يتمازج فيه فرعون ونيرون، فإليكم الخبر الآتي: تلقَّى كثير من المواطنين السوريين رسائل نصِّية تؤيِّد الرئيس السوري بشار الأسد؛ ولقد جاء في إحداها "شعب مصر يَحْرِق نفسه لتغيير رئيسه؛ أمَّا نحن فَنَحْرِق العالم ليبقى قائدنا"!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل